انتقام تحت سقف واحد
انتقام تحت سقف واحد
رجعت بصيت لليو، وحاولت أتماسك قدامه بالعافية. ابتسمتله ابتسامة باهتة وبعدها قلتله بهدوء: “طيب يا حبيبي… خليك مع طنط ستيلا شوية، وماما هترجعلك حالًا.”
لكن الحقيقة؟ أنا ماكنتش شايفة قدامي أصلًا.
قلبي كان بيدق بعنف، وإيدي بتترعش وأنا خارجة من باب الفيلا. ركبت عربيتي، لكن بدل ما أتحرك للشركة… وقفت أول الشارع وطفيت العربية.
فضلت قاعدة حوالي عشر دقايق كاملة. بس بفكر.
كل لحظة فاتت في الجواز بدأت ترجع قدامي بشكل مرعب…
إصراره المفاجئ على السفر. توتره الغريب قبل “المؤتمر”. اختفاءه أوقات كتير بحجة المكالمات. ونظرات ستيلا اللي كنت دايمًا أفسرها إنها مجرد دلع طفولي سخيف.
كنت غبية… غبية جدًا.
لكن اللي كسرني فعلًا… إن ابني الصغير كان عايش وسط ده كله لوحده.
خدت نفس عميق، وبعدها نزلت من العربية بهدوء، ولفّيت من الجنينة الجانبية للفيلا. كان فيه سلم خدمة صغير بيطلع مباشرة ناحية السطح من برّه، قليل جدًا اللي بيستخدمه.
طلعت درجة درجة… وقلبي بيخبط في ضلوعي كأنه بينذرني أرجع.
لكنّي وصلت.
باب أوضة السطح كان مقفول. ومن جواه… سمعت ضحك.
ضحك راجل… وضحكة ست.
وقف الزمن حواليا.
قربت أكتر… ولأول مرة في حياتي، حسّيت إنّي مش عارفة الشخص اللي عشت معاه خمس سنين.
كان صوته.
تروي.
بيضحك بكل راحة وكأنه في أجازة فعلًا.
وسمعت صوت ستيلا وهي بتقول بدلع: “مراتك دي أغبى واحدة شفتها في حياتي… مصدقة حكاية ألمانيا فعلًا.”
وبعدين الاتنين ضحكوا.
في اللحظة دي…
لكن بدل ما أفتح الباب وأعمل فضيحة… ابتسمت.
أيوه… ابتسمت ابتسامة هادية جدًا خوّفتني أنا نفسي.
لأن عقلي وقتها بدأ يشتغل بطريقة عمره ما اشتغل بيها قبل كده.
أنا مش أي ست. أنا اللي ماسكة شركة فيها آلاف الموظفين. أنا اللي ببني صفقات بملايين. والناس اللي قدامي؟ فاكرين نفسهم أذكى مني.
رجعت لورا بهدوء من غير أي صوت، ونزلت تاني كأني ما شوفتش حاجة.
وفي العربية… بدأت خطتي.
أول حاجة عملتها؟ اتصلت بالمحامي الشخصي بتاعي.
“عايزة كل حاجة تخص تروي تتراجع النهارده. الحسابات… العقود… الأسهم… كل حاجة.”
المحامي سكت ثواني وقال: “في مشكلة؟”
قلت ببرود: “قريب جدًا هتفهم.”
بعدها اتصلت بمدير الموارد البشرية في الشركة.
“عايزة ملف السفر الخاص بتروي حالًا.”
بعد أقل من نص ساعة، الملف وصلني على الإيميل.
والمفاجأة؟
مافيش أي مؤتمر. مافيش أي رحلة لألمانيا. مافيش حتى حجز طيران.
كل ده كان تمثيل كامل.
غمضت عيني للحظة… لكن بدل الدموع، حسّيت بحاجة أبرد بكتير.
احتقار.
رجعت البيت الساعة ٧ بالليل كأني جاية طبيعي جدًا من الشغل.
ولأول مرة… تروي “رجع من ألمانيا” بدري.
لقيته نازل من فوق قبل ما أوصل بعشر دقايق تقريبًا، وغير هدومه بسرعة، وبعدين مثّل التعب والإرهاق وهو قاعد على الكنبة.
أول ما دخلت، قام حضني وقال: “وحشتيني جدًا.”
كنت ببصله وأنا حاسة إني ببص لغريب.
لكنّي ابتسمت بس.
ستيلا كانت واقفة في المطبخ، وشها شاحب أول ما شافتني.
واضح إنها كانت مرعوبة يكون ليو
لكنّي
تصرفت عادي جدًا.
قعدنا نتعشى سوا… وأنا ولا كأني عرفت أي حاجة.
لدرجة إن تروي نفسه ارتاح.
وفي نص الأكل، قلت فجأة: “على فكرة يا تروي… مجلس الإدارة قرر يعمل حفلة كبيرة الأسبوع الجاي بمناسبة الصفقة الجديدة.”
عينيه لمعت. “بجد؟”
ابتسمت: “أيوه… وهيكون فيها أهم المستثمرين والشركاء.”
هو كان دايمًا مهووس بالمظاهر. وأكتر حاجة بيحبها إنه يبان ناجح قدام الناس.
قال بحماس: “أكيد هحضر.”
بصيتله بثبات: “طبعًا… إنت ضيف الشرف.”
ماكانش يعرف إن الجملة دي تحديدًا كانت بداية سقوطه الحقيقي.
الأسبوع ده كله… أنا كنت هادية بشكل مرعب.
أضحك. آكل معاهم. ألعب مع ليو. وأراقب.
راقبت كل تفصيلة.
إزاي تروي بيتسلل فوق أول ما أطلع. إزاي ستيلا تبقى متوترة أول ما أرجع. إزاي الاتنين فاكرين إنهم أذكى من الكل.
وفي نفس الوقت… كنت بحضّر لكل حاجة.
جمعت تسجيلات الكاميرات. راجعت التحويلات البنكية. واكتشفت مفاجآت أقذر بكتير مما تخيلت.
تروي كان بيسحب فلوس من حسابات الشركة بالتدريج من شهور. مبالغ صغيرة محدش ياخد باله منها.
وكان ناوي يحملني أنا المسؤولية لو الموضوع اتكشف.
يعني مش بس كان بيعيش دور الضحية… ده كان بيحفر قبري بنفسه.
ليلة الحفلة وصلت.
الفندق كان مليان رجال أعمال وصحافة وشركاء من كل مكان.
تروي دخل بثقة غريبة، لابس بدلة غالية جدًا، وماسك إيدي قدام الناس وكأنه الزوج المثالي.
أما ستيلا… فكانت واقفة بعيد وسط الموظفين، لكنها طول الوقت بتبصله.
وأنا؟ كنت مستنية اللحظة
بس.
بعد العشا الرسمي، طلعت على المسرح وسط التصفيق.
مسكت الميكروفون وابتسمت.
“قبل ما نحتفل بالصفقة الجديدة… في شخص لازم أشكره.”
تروي ابتسم فورًا وعدّل رابطة الكرافتة بتاعته.
الناس بدأت تبصله.
قلت: “الشخص ده علّمني درس عمري ما هنساه.”
ابتسامته بدأت تضعف شوية.
ضغطت زر صغير في الريموت اللي بإيدي.
وفجأة… شاشة العرض العملاقة اشتغلت.
ظهر تاريخ اليوم… وبعدين فيديو.
فيديو واضح جدًا.
باب السطح بيتفتح… وتروي نازل منه.
وبعده بدقايق… ستيلا.
القاعة كلها سكتت.
وش تروي اتحول للون الرمادي.
حاول يقوم بسرعة وهو بيقول: “كلارا… إنتِ فاهمة غلط—”
لكن الفيديو اللي بعده اشتغل فورًا.
تسجيلات من الكاميرات. تواريخ. أوقات. وملفات تحويلات مالية.
همسات الناس بدأت تعلى.
واحد من المستثمرين وقف مذهول: “إيه ده؟!”
مدير الشؤون المالية بص لتروي بصدمة: “إنت كنت بتسرق الشركة؟!”
تروي بدأ يعرق بشكل هستيري.
أما ستيلا… فكانت واقفة كأن روحها خرجت منها.
بصيت عليهم بهدوء شديد وقلت في الميكروفون: “أكتر حاجة مضحكة… إن الحقيقة كلها اكتشفها طفل عنده ٣ سنين.”
القاعة انفجرت همهمات.
تروي قرب مني وهو منهار: “كلارا… أرجوكِ… نقدر نتكلم—”
رجعت خطوة لورا.
“متقربش مني.”
كانت أول مرة يشوفني بالبرود ده.
أمن الفندق قرب فورًا بعد ما مجلس الإدارة طلب يتعامل مع الموضوع رسميًا.
وفي أقل من عشر دقايق… تروي فقد منصبه. واتفتح تحقيق مالي كامل.
أما ستيلا… فخرجت من الفندق وهي بتستخبى من
الناس.
ولما رجعت البيت آخر الليل… لقيت ليو نايم على الكنبة مستنيّني.
همس بنعاس: “ماما… بابا رجع ألمانيا؟”
حسّيت دموعي بتنزل لأول مرة.
لكنّي ابتسمت وربّت على شعره.
“لا يا حبيبي… بابا خلاص مش هيستخبى فوق تاني.”