بنتك رجعت
وصلنا الحمد لله. ياريت ما تكبريش الموضوع قدام العيال.
ضحكت.
أول مرة أضحك من وجع.
وبعت رسالة قصيرة
ماتقلقيش. الموضوع أكبر بكتير من إنه يتكبر.
بعد يومين رجعوا من السفر.
وأول ما وصلوا البيت، أمي وأبويا وأخويا جم عندي.
كانوا فاكرين إنهم هيعتذروا كلمتين وكل حاجة هترجع زي الأول.
أمي دخلت وقالت
يا بنتي خلاص بقى. حصل سوء تفاهم.
بصيت لها.
سوء تفاهم؟
أيوة يعني البنت كانت واقفة عشر دقايق بس.
طلعت الموبايل.
وشغلت تسجيل كاميرات محطة البنزين اللي كانت قريبة من المكان.
كنت
جبت التسجيل عن طريق صاحب المحطة بعد ما حكيت له اللي حصل.
ظهر الفيديو.
ملك واقفة لوحدها.
الشمس فوق دماغها.
والوقت بيعدي.
عشر دقايق.
عشرين.
ثلاثين.
أربعين.
ساعة كاملة.
ولا عربية وقفت.
ولا حد فضل معاها.
ولا كشك.
ولا ناس.
زي ما كانوا بيقولوا.
الصمت ملأ المكان.
أبويا بلع ريقه.
وأمي شحبت.
وأخويا بص للأرض.
قلت بهدوء
لسه سوء تفاهم؟
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها.
ملك كانت قاعدة في الصالة بتلعب.
وفجأة قالت جملة خلت الجميع يسكت.
قالت وهي باصة لجدتها
أنا سمعتك يا تيتا.
أمي ارتبكت.
سمعتيني إيه؟
ملك ردت
لما قولتي لجدو في العربية سيبها بقى... هي أصلًا مش شبهنا.
الهواء اتجمد.
وأول مرة أشوف أمي مش عارفة ترد.
بصيت لها.
يعني إيه مش شبهنا؟
أمي بدأت تتلعثم.
لكن أبويا انفجر
خلاص بقى! ما دام الموضوع اتفتح.
وبصلي وقال
من يوم ما اتجوزتي أبو ملك وإحنا
عمرنا ما وافقنا عليه.
وإيه علاقة ده بملك؟
صرخ
كل ما بنبص لها بنفتكر الجوازة دي.
هنا فهمت.
كل السنين دي كانوا بيعاقبوا بنت بريئة على قرار أنا
ملك ما كانتش الحفيدة المفضلة.
ما كانتش من أولاد أخويا.
وما كانتش النسخة اللي هما كانوا عايزينها.
وقفت.
ومسكت إيد بنتي.
وقلت بهدوء مرعب
إنتوا مش محتاجين تعتذروا.
أمي رفعت رأسها بأمل.
لكن كملت
لأن الاعتذار بيكون لشخص غلط غلطة.
أما اللي عملتوه... فده كشف حقيقتكم بس.
بعدها خرجوا.
وأول مرة في حياتي ما أجريش وراهم.
ولا أحاول أصلح.
ولا أخاف من الزعل.
مرت شهور.
قطعت كل المساعدات المالية.
كلها.
في البداية كانوا فاكرين إني هرجع.
لكن ما رجعتش.
بدأت الاتصالات.
ثم الرسائل.
ثم الضغوط.
ثم الاتهامات.
ناكرة للجميل.
نسيتي أهلك.
الفلوس غيرتك.
لكن للمرة الأولى...
ما كانش يهمني.
بعد ستة شهور حصل
شيء ما كنتش متوقعاه.
أخويا جه لوحده.
من غير أمي وأبويا.
وشكله متغير.
دخل وقعد
بعدين قال
أنا جيت أقولك حاجة.
استنيت.
قال
ابني الكبير رجّع في العربية وإحنا راجعين من رحلة المدرسة.
سكت ثانية.
ثم كمل
ولقيته بيعيط طول الطريق وهو فاكر إننا هنسيبه.
حسيت قلبه بيتكسر وهو بيتكلم.
فضل ماسك في إيدي طول اليوم.
ونزلت دمعة من عينه.
ساعتها فهمت بنتك كانت حاسة بإيه.
ما طلبش فلوس.
ما طلبش حاجة.
طلب حاجة واحدة.
قال
لو في يوم ملك سامحتني... قولي لها شكرًا.
بعد سنة كاملة...
كنت أنا وملك على البحر.
قاعدين نبني قلاع رمل.
كبرت شوية.
وضحتكها رجعت.
وفجأة سألتني
ماما؟
نعم؟
هو الناس اللي بتحبنا ممكن تسيبنا؟
بصيت للموج.
وبعدين لها.
وقلت
الناس اللي بتحب بجد ممكن تغلط... لكن عمرها ما تسيبك لوحدك.
ابتسمت.
ورجعت تلعب.
أما أنا...
فبصيت للسماء.
وحسيت لأول
مرة إن خسارة
لأن اليوم اللي لقيت فيه بنتي واقفة لوحدها على الطريق...
كان نفس اليوم اللي لقيت فيه نفسي أخيرًا.
النهاية.