الجـرح الخـفي كـاملة
الجرح الخفي كاملة
مش هنقدر نسكت على اللي حصل ده يا سارة.. صرخ محمود والذعر مالي صوته ونبرته كلها رعب.
كنت واقفة جنب البانيو الصغير بتاع البيبي، عيني مش مفارقة ليلى، بنتنا اللي لسه شرفتنا الدنيا مفيش أيام. محمود كان ساندها بإيد واحدة بحذر شديد، وبالإيد التانية بيصب المية الدافية براحة، لكن عينيه كانت متثبتة على خيط رفيع أوي موجود في ضهرها.
عشر سنين.. عشر سنين من المحاولات، ولف على الدكاترة، وتحاليل، وأمل ملوش نهاية.. وفي الآخر جت ليلى. بنتنا. قرة عيننا متوفرة على روايات و اقتباسات
محمود؟ في إيه؟ سألته وأنا حاسة بقلبي هيقف من الخوف.
مردش عليا. نظراته كانت لسه محبوسة عند الغرز اللي يا دوب باينة ومستخبية. الكوباية وقعت من إيده، وصوت طرطشة المية في الحمام عمل صدى مرعب زاد التوتر.
إيه اللي حصل؟ طمني! همست وأنا مرعوبة، لكنه كان غايب عن الدنيا.
وشه اللي دايما بشوش وهادي، بقى زي التمثال، عينيه مبرقة وإيديه بتترعش بشكل مش طبيعي.
اتصلي ب كاريمان فوراً.. كلمي أختك دلوقتي! أخيراً نطقها وهو بيحاول يجمع أنفاسه.
ليه؟ يا محمود قولي في إيه؟ قلبي هيقف!
مش هينفع نسكت، الموضوع ده فيه إنّ! بصي يا سارة.. بصي على ضهر البنت.
قربت منها، وأول ما شفت الخياطة اللي في ضهرها، دموعي نزلت زي السيول ونفسي انقطع.
لأ.. يا رب لأ! صرخت وأنا مش قادرة أخد نفسي. بنتي الصغيرة.. يا حبيبتي يا بنتي.. هما
عملوا فيكي إيه؟
الجزء
ذكريات يوم الولادة هجمت على عقلي زي السيل. اليوم ده محضرناهوش من أوله، بلغونا متأخر أوي.. كاريمان كانت في أوضة العمليات بقالها ساعات لما الممرضة كلمتنا وقالت لنا الحقوا، المولودة جاية في الطريق. جرينا على المستشفى زي المجانين، لكن هناك وقفونا ومنعونا ندخل.
أنا مش مطمنة يا محمود، قلتها له وقتها بقلب مقبوض. كان نفسي أكون معاها، أشوف بنتي وهي بتطلع للدنيا.. مش حاسة إن الموضوع طبيعي.
محمود حاول يطمني وهو بيطبطب على إيدي
يا سارة إحنا مأمنين نفسنا قانوناً، والورق مخرومش مية.. مش هتقدر تطالب بحاجة بعدين. اهدي بس، ساعات النصيب بيمشي عكس ما إحنا راسمين.. المهم ليلى تطلع بالسلامة.
الانتظار في طرقة المستشفى كان أطول من العشر سنين اللي فاتوا. ولما الممرضة ندهت علينا بليل، كانت كاريمان نايمة وتعبانة، وليلى كمان نايمة في السرير الإزاز بتاعها.. كانت زي الملاك، لدرجة إني خفت ألمسها وأكسر رقتها.
الدكتور طمنا بابتسامة باهتة البنت زي الفل، وصحتها تمام، وخرج بسرعة مريبة متوفرة على روايات و اقتباسات
وبعد كام يوم، أخدنا ليلى ورجعنا بيتنا.. الدنيا كانت هادية وطبيعية، لحد لحظة الحمام دي. كنت بصل لضهرها ومخي رافض يصدق اللي شايفه.
كان فيه خط مرسوم بدقة جراحية، عالي بين كتفها، والجلد حواليه لسه لونه وردي، كأنه جرح ملموم من ساعات. دي مش خبطة، ولا وحمة.. دي غرز خياطة!
ده جرح عملية، محمود همس بصوت مخنوق. بنتنا اتعمل
لها
عملية إيه؟ سألت بذهول، والدنيا بتلف بيا. ومين اللي مضى على قرار زي ده؟ تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مش عارف.. بس لو اتعملت، يبقى كان فيه خطر. محمود بلع ريقه بصعوبة وكمل كلمي المستشفى فوراً.. وكلمي كاريمان، لازم نفهم فيه إيه!
كاريمان مكنتش بترد. تالت مكالمة، رابع مكالمة.. مفيش فايدة. شفت في عين محمود مزيج من الرعب والغل.. لف ليلى في فوطتها بسرعة وصرخ البسي.. إحنا راجعين المستشفى دلوقتي!
وصلنا هناك والدم بيغلي في عروقنا. دخلنا لقسم الأطفال، وطلع لنا دكتور أول مرة نشوفه. كشف على ليلى بهدوء، شاف حرارتها، ونفسها، وبص للجرح.. وهز راسه بهدوء
الحالة مستقرة، والعملية نجحت تماماً.
عملية إيه يا دكتور؟ صرخت فيه.
وقت الولادة اكتشفنا مشكلة كان لازم تتحل فوراً عشان م يحصلش تسمم أو تلوث.. جراحة بسيطة وسريعة.
تلوث؟ محمود قرب منه خطوة وهو شايط وإزاي تعملوا حاجة زي دي من غير ما تبلغونا؟ فين موافقتنا؟
الدكتور ارتبك الموافقة اتخدت فعلاً.
من مين؟ سألته وصوتي بيترعش.
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت كاريمان.. كانت باهتة، وشها أصفر، وعينيها منفوخة من العياط.
مبقتش عارفة أعمل إيه، قالتها بصوت واطي ومكسور. قالوا لي مفيش وقت نستنى، وإن الميكروب ممكن يوصل للعمود الفقري.. قالوا حاولوا يوصلوا لكم ومحدش رد.
محمود قاطعها بحدة محدش كلمنا! التليفونات كانت في إيدينا طول الوقت!
بصيت لليلى وهي نايمة
حواليها. الخوف جوايا اتحول لغضب نار.
يعني العملية دي هي اللي أنقذتها؟ سألت الدكتور.
أيوه يا فندم.
ماشي.. أنا متشكرة إنكم أنقذتوها، قلتها وأنا ببص لكاريمان بقوة. بس ده ميغيرش حقيقة إنكم خدتوا قرار يخص بنتي.. قرار يخصني أنا.
كاريمان كانت بتعيط، بس أنا مكملتش عياط.. كملت كلامي بصرامة
إمتى قررتوا إني مش أمها؟ إمتى قررتوا إنكم أصحاب الحق في حياتها؟
محدش رد.. الكل سكت.
رجعنا البيت في صمت قاتل. محمود همس وهو بيسوق
كان لازم أبص عليها بدري عن كدة.. أنا السبب.
متقولش كدة يا محمود.. مكنش حد يتخيل إن ده يحصل.
كان نفسي أكون معاها من أول لحظة.. حاسس إنهم سرقوا مننا الفرحة.
بصيت لليلى وهزيت راسي لأ يا محمود، مسرقوش حاجة. هي معانا.. ليلى قوية، أقوى من الوجع اللي شافته وهي لسه بتفتح عينيها.
لما رجعت البيت، وقفت تاني قدام البانيو الصغير.. المكان اللي الحقيقة ظهرت فيه. بصيت لليلى بنظرة تانية خالص.. شفت فيها البطلة اللي حاربت الوجع ونجيت. لما لمست طرف الجرح بصباعي، دموعي نزلت.. بس المرة دي كانت دموع حب ملهوش حدود.. حب مش محتاج ورق ولا موافقة من حد.
همست في ودنها
إنتي في بيتك يا حبيبتي.. ومن هنا ورايح، مفيش مخلوق هيجرؤ يقرر إنتي مين بالنسبة لي.. أنا أمك، غصب عن أي حد.
محمود جه من ورايا وضمنا إحنا الاتنين. ليلى نامت في هدوء، وأنا عرفت حاجة واحدة.. إن الأمومة مش بس دم، الأمومة هي الروح اللي
تمت.