سر الطفلة الصغيرة كاملة

لمحة نيوز

سر الطفلة الصغيرة
كان الليل هادي بشكل غريب، والشارع شبه فاضي إلا من صوت الهوا وهو بيخبط في الشبابيك القديمة، وأنا ماشي بخطوات بطيئة أحاول أهرب من البرد والجوع والتعب اللي بقى جزء من يومي، كنت وقتها شخص تايه، لا عندي بيت حقيقي أرجع له، ولا شغل ثابت، ولا حد يسأل أنا عايش ولا لا، الدنيا كانت مقفولة في وشي من كل ناحية، وكل يوم أصحى وأنا حاسس إن الحياة بتضغط على صدري أكتر، وفي الليلة دي بالتحديد كنت ماشي من غير هدف لحد ما لقيت بيت قديم في آخر الشارع، بابه موارب والنور مطفي، حسيت إن المكان مهجور، قلت يمكن ألاقي فيه أي حاجة تساعدني أبيعها أو حتى مكان دافي أقعد فيه شوية لحد الفجر، دخلت بهدوء وأنا ببص حواليّ بحذر، البيت كان غريب جدًا، ريحة رطوبة قديمة ممزوجة بريحة أكل بايت، وألعاب أطفال مرمية على الأرض بشكل عشوائي، ورسومات ملونة على الحيطان، لكن الجو كله كان مليان حزن بطريقة صعبة تتوصف، مشيت كام خطوة وأنا سامع صوت أنفاسي بس، وفجأة سمعت صوت صغير طالع من آخر الصالة بيقول بهدوء لو سمحت ماتطفّيش النور تاني. وقفت مكاني واتسمرت، لفيت ناحية الصوت وشغلت كشاف موبايلي بهدوء، وهناك شفت بنت صغيرة جدًا قاعدة على الأرض جنب الكنبة، لابسة فستان قديم أكبر من مقاسها، وشعرها منكوش بطريقة تخليك تحس إنها محدش اهتم بيها من زمان، كانت عينيها مفتوحين لكن نظرتها تايهة، كأنها بتحاول تركز على حاجة مش شايفاها، أول ما

النور جه على وشها ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت أنا كنت فاكرة إن ماما رجعت. حسيت بحاجة غريبة بتضغط على قلبي، قربت منها بحذر وسألتها إنتِ لوحدك هنا؟ هزت راسها وقالت أيوه بس ماما قالت إنها هترجع بسرعة. سألتها عن اسمها فقالت اسمي معجزة. الاسم دخل قلبي بشكل غريب، كان بريء ودافي وسط كل البرودة اللي مالية المكان،
سألتها إذا كانت جعانة، فسكتت شوية وبعدين قالت بخجل أنا متعودة. الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تكسّر أي حاجة جوا الواحد، بصيت حواليّ ولقيت شوية عيش ناشف وكيس فيه بسكويت قديم، جبتلها البسكويت وفتحته، البنت بدأت تاكل بهدوء شديد وكأنها خايفة الأكل يخلص فجأة، كنت ببصلها وأنا مش فاهم إزاي طفلة صغيرة بالشكل ده تبقى لوحدها في بيت بالشكل ده، سألتها ماما بتشتغل إيه؟ ردت ببساطة بتخليني أقعد معاها في الشارع طول اليوم عشان الناس تدينا فلوس. حسيت إن صدري اتقبض، لكني حاولت ما أبينش حاجة، قلتلها وعندك أصحاب؟ ابتسمت وقالت كان عندي دبدوب اسمه فوفو بس ضاع. بعد شوية سمعت صوت عربية وقفت بره البيت، البنت اتغير وشها فجأة وبقت متوترة، مسكت طرف هدومي وهمست لو سمحت ماتمشيش دلوقتي. لأول مرة في حياتي حسيت إن حد محتاج وجودي فعلًا، فضلت واقف جنبها لحد ما الباب اتفتح ودخلت ست في منتصف العمر، شكلها مرهق جدًا، أول ما شافتني شهقت بخضة وسألت بعصبية إنت مين؟ حاولت أشرح إني دخلت البيت بالصدفة وإن البنت كانت لوحدها، الست بصت
للبنت بسرعة وقالت معجزة قولتلك ماتكلميش حد. لكن البنت ردت بصوت صغير أنا كنت خايفة. الست سكتت لحظة، وبعدين فجأة قعدت على الكرسي وبدأت تعيط، عياط متقطع ومتعب، أول مرة أشوف حد تعبان بالشكل ده، قالت وهي بتمسح دموعها أنا مش أم وحشة بس الدنيا صعبة. عرفت بعدها إن الست دي كانت قريبة للبنت، وإن أمها الحقيقية سافرت زمان وسابت الطفلة عندها واختفت، والسنين عدت وهي بتحاول تصرف عليها بأي طريقة، لكن الفقر والتعب والوحدة خلوها تفقد السيطرة على حياتها، معجزة كانت بتحبها رغم كل حاجة، وكانت مستنية منها أي لحظة حنان صغيرة، قعدت معاهم الليلة دي، ويمكن لأول مرة من سنين أحس إني قاعد وسط
ناس مش خايف منهم، البنت كانت تحكيلي عن الأصوات اللي بتحبها، وعن نفسها لما تكبر تبقى رسامة، وكانت تقول إنها نفسها تشوف البحر حتى لو مش قادرة تشوفه بعينيها، كنت أسمعها وأنا حاسس إن الطفلة دي عندها نور جواها أكتر من ناس كتير شايفة الدنيا كلها، ومع مرور الوقت بقيت أزورهم كل يوم، أجيب أكل بسيط، أصلح حاجات مكسورة في البيت، وأقعد أحكيلها حكايات قبل النوم، ومعجزة بدأت تضحك أكتر، والبيت نفسه كأنه بدأ يتنفس بعد ما كان مليان صمت، وفي يوم وأنا قاعد معاها قالتلي فجأة إنت عمرك ما هتمشي وتسيبني صح؟ السؤال خبطني في قلبي، لأني طول عمري كنت أنا الشخص اللي الناس تسيبه، لكن لأول مرة حسيت إني عايز أفضل، بدأت أدور على شغل بجد، اشتغلت في ورشة صغيرة،
كان المرتب بسيط لكن كفاية إني أجيب أكل محترم للبنت وأساعد الست، وبعد شهور قدرنا نودي معجزة لدكتور متخصص، والدكتور قال إن عندها فرصة تتحسن تدريجيًا، يومها البنت فضلت تضحك طول الطريق وهي ماسكة إيدي، وبعد فترة طويلة بدأت فعلًا تفرق بين الألوان والنور والضلمة، كانت كل مرة تشوف حاجة جديدة كأنها بتكتشف الدنيا لأول مرة، مرة شافت الشجرة اللي قدام البيت وفضلت تلمس ورقها وتضحك، ومرة شافت المطر ونزلت تجري في الشارع وهي بتصرخ من الفرحة، وأنا كنت واقف أبصلها وأحس إن روحي نفسها بترجع للحياة معاها، ومع الأيام بقى عندي بيت حقيقي أرجع له، وضحكة صغيرة تستناني آخر اليوم، ومعجزة بقت تناديني أحسن صاحب في الدنيا، وكل ليلة كانت تطلب مني أحكيلها نفس الحكاية حكاية الراجل التايه اللي دخل بيت قديم بالصدفة، لكنه لقى جواه عيلة وقلب وحياة جديدة، وأنا كل مرة أحكي الحكاية أكتشف إنها مش حكايتها هي بس دي كانت حكايتي أنا كمان، لأن البنت الصغيرة اللي كانت قاعدة لوحدها وسط الضلمة قدرت
ترجع النور لإنسان كان فاكر إن قلبه مات من زمان، ومن يومها فهمت إن بعض المعجزات مبتنزلش من السما فجأة، بعض المعجزات بتكون طفلة صغيرة تبتسم في وشك وتخليك ترجع إنسان من جديد.
عدّى على وجودي في بيت معجزة شهور طويلة، لكن الغريب إن كل يوم كان بيعدّي كنت بحس إني بتغير أكتر، كأن البنت الصغيرة دي كانت بترجع ترتب روحي حتة حتة من غير ما تقصد، بقيت
أصحى
تم نسخ الرابط