وحش في بيتنا
وحش في بيتنا
جوز أمي كان بيضربني كل يوم للتسلية.. كأن وجعي هو البرنامج المفضل عنده بالليل. اليوم اللي كسر فيه ذراعي، كان بيضحك قبل ما أنا أصوت من الوجع. مكنش بيضحك عشان الموضوع مضحك، بس عشان في بيته ده، الألم كان ببلاش وأنا كنت أرخص عرض بيتقدم.
كان اسمه "عزت"، وكان بيحب يلقب نفسه بـ "سيد البيت" وهو قاعد على الكرسي الجلد اللي أمي هي اللي شارياه بفلوسها. كل ليلة، بعد ما الويسكي يحرق زوره والغل يسخن إيده، كان بيدور على أي حجة.
طبق اتحط بصوت عالي..
نور اتنسى منور..
حتى صوت نفسي كان بيضايقه.
كان بيقولي وهو بيشمر كمامه: "إنتي دايمًا بتبصيلي بصه فيها حكم عليا".
كان عندي 16 سنة، صغيرة كفاية إنه يرميني بإيد واحدة، وكبيرة كفاية إني أفهم إن الوحوش مش دايمًا مستخبيين تحت السرير.. ساعات بيتجوزوا أمهاتنا وبيبتسموا في وش الجيران.
أمي، "ليلى"، كانت بتتفرج من ورا الباب. عمرها ما وقفته. كانت بس بتوشوشني بعد ما يخلص: "ما تغضبيهوش يا مريم". وكأني أنا اللي كنت بحضّر العفريت.
الليلة دي، المطر كان بيخبط على الشباك زي الضوافر. "عزت" رجع البيت شايط عشان شركته خسرت مقاولة تانية.
في الناس، في الظروف.. لحد ما وصل لعندي.
كنت بغسل المواعين لما خياله غطى الحوض كله.
"بصيلي وأنا بكلمك".
ملحقتش ألف وشي بسرعة.
إيده نزلت على وشي.. الدنيا لفت بيا. خبطت في الرخامة، دقت طعم الدم، وسمعته بيضحك ببرود: "لسه واقفة على رجلك؟"
أمي ظهرت وراه، لامة الروب بتاعها وشها أصفر زي الليمونة: "يا عزت.. خلاص بقى".
ابتسم وقالها: "سمعتي يا مريم؟ أمك شايفة إني ظالم".
وبعدين مسك معصم إيدي.
حاولت أملص منه، راح لاوي دراعي بكل قوته.
سمعت صوت حاجة بتطرقع جوه جسمي زي الخشب الناشف.
صويتي زلزل المطبخ.
للحظة واحدة، "عزت" نفسه اتسمر مكانه. دراعي كان معوج بزاوية غلط، وصوابعي كانت بتترعش.. الوجع بلع الأوضة كلها.
أمي جريت عليا.. مش عشان تحضني، بس عشان تمسك شنطتها: "هنروح المستشفى.. إنتي وقعتي من على السلم".
عزت قرب مني، ريحته كانت تقرف: "قوليها صح يا شاطرة".
بصيت له من ورا دموعي..
كان مستني مني خوف.. مستني طاعة.
مبقاش عارف إني بقالي 6 شهور بسجل له كل حاجة.
كاميرا صغيرة في جهاز إنذار الدخان.. تسجيلات صوتية متشالة في حساب المدرسة.. صور مبعوتة لإميل محامي
الاجتماعية.
في المستشفى، أمي كانت بترسم ابتسامة للممرضة: "وقعت.. بنت خايبة ورجلها خانتها".
لحد ما الدكتور "شريف" بص لوشي المورم، لشفتي المقطوعة، ولجسمي اللي بينتفض.
ابتسامته اختفت تمامًا.
خرج برا الأوضة..
وطلب "النجدة".
**
الدكتور شريف رجع الأوضة ومعاه اتنين عساكر وضابط، ملامحهم كانت صارمة والجو فجأة بقى مشحون.
أمي أول ما شافتهم، وشها جاب ألوان وحاولت تتكلم بسرعة: "يا فندم والله دي وقعت من على السلم، البنت شقية ومبتسمعش الكلام، وعزت جوزي كان..."
الضابط قاطعها بصوت واطي بس يخوف: "خليكي على جنب يا مدام، إحنا هنسمع منها هي."
عزت كان واقف برا بيحاول يعمل نفسه هادي، بس أول ما شاف الضابط داخل، بدأ صوته يعلى ويقول إنه مواطن شريف وإن دي "مشاكل عائلية".
الضابط بصلي وسألني: "مريم، إيه اللي حصل لدراعك؟"
بصيت لعزت من ورا الإزاز، كان باصصلي بنظرة كلها تهديد، كأنه بيقولي "لو نطقتي حسابك معايا عسير". وبصيت لأمي اللي كانت بتبكي وتترجاني بعينها إني أكذب وأمشي الليلة.
بس أنا المرة دي مكنتش خايفة.
فتحت تليفوني بإيدي السليمة، ودخلت على حساب المدرسة
شغلت فيديو كان متصور من أسبوعين بس.. الفيديو كان واضح فيه "عزت" وهو بيجرجرني من شعري في الصالة وبيضرب راسي في الحيطة، وصوت أمي وهي بتقوله "بلاش النهاردة عشان الجيران".
الدكتور شريف غمض عينه بأسى، والضابط ملامحه قسيت أكتر.
قلت بصوت عالي عشان عزت يسمع: "أنا موقعتش من على السلم يا فندم. عزت هو اللي كسر دراعي، وأمي ساعدته عشان تخبي الحقيقة. وعندي تسجيلات لكل يوم عشته في الجحيم ده بقالي شهور."
في لحظة، الكلبشات كانت في إيد عزت. كان بيصرخ ويشتم ويهدد إنه هيهد البيت على دماغنا، بس العساكر جرجروه زي الفار.
أمي قعدت على الكرسي تلطم وتعيط: "خربتي بيتنا يا مريم! هنجيب منين؟ هنعيش إزاي؟"
بصيت لها بمنتهى البرود وقلت لها: "البيت ده كان مخروب من زمان يا ماما، إنتي بس اللي كنتي حابة تعيشي في الخراب ده. أنا دلوقتي بدأت أبني بيت جديد.. ملوش سقف من الخوف."
الدكتور شريف حط إيده على كتفي وقاللي: "متخافيش يا بنتي، إنتي شجاعة، ومن هنا ورايح مفيش حد هيقدر يلمس شعرة منك."
دخلت أوضة العمليات عشان دراعي يتجبس، وأنا حاسة إن الوجع بدأ يبرد.. مش عشان المسكن، بس
**تمت.**