إبن الملجأ
إبن الملجأ
وصلت فرح ابني وأنا لابس الفستان الكحلي اللي فضلت أحوش في تمنه سنتين كاملين عشان أبقى مشرفة قدام نسايبه، وفوجئت بالبنت اللي واقفة على بوابة القاعة في الشيخ زايد بتبص في التابلت وبتقولي ببرود: "يا فندم، اسمك مش موجود في كشف المعازيم." لثواني افتكرت إن الموضوع مجرد غلطة تافهة، المكان كان عبارة عن قصر مفتوح كله ورد أبيض وصوت كمنجات بيعزف في الهوا بشياكة والستات لابسين فساتين سواريه غالية وبيتصوروا جنب نافورة رخام كأنهم في مجلة، كنت ماسكة شنطة صغيرة وفيها جواب كتبته طول الليل لابني عشان أقوله قد إيه أنا فخورة بيه، وكنت متخيلة إنه أول ما يشوفني هيحضني قدام الناس كلها ويقول: "دي أمي اللي تعبت عشاني"، لكن اللي حصل كان أسوأ من أي كابوس، قلت للبنت بهدوء: "راجعي الكشف تاني يا بنتي.. أنا أم العريس"، بصتلي بنظرة كسرة وقالت: "معندكيش تصريح دخول"، الكلمة نزلت على قلبي زي السكينة، وفي اللحظة دي شوفته واقف بعيد وسط الناس ببدلته السودا وابتسامته المصطنعة، جريت ناحيته وأنا قلبي بيدق، أول ما شافني ملامحه اتقفلت وقال بضيق: "إنتي إيه اللي جابك هنا؟" قلتله وأنا بحاول أبتسم: "جيت فرحك يا حبيبي"، رد بمنتهى البرود: "هو إنتي فاكرة نفسك معزومة؟" حسيت إن الأرض بتلف بيا، ومن وراه ظهرت بسمة العروسة بفستانها الأبيض وضحكتها المستفزة وقالت: "إحنا عايزين الفرح يبقى شيك يا طنط وكله ناس مناسبة للبرستيج"، وقتها افتكرت أول مرة دخلت فيها بيتي وسخرت من أكلي ومن لبسي ومن عربيتي القديمة، وافتكرت كل مرة كانت تلمح إن وجودي محرج ليهم، والأصعب إن إيهاب كان دايمًا
دافع عني ولا حتى بصلي بعين فيها امتنان، وأنا رغم كل ده كنت بقول معلش، الولد أكيد متلخبط، أصل الأم قلبها أعمى، أنا اللي خدت إيهاب من الملجأ وهو عنده تلات سنين، كان طفل مرعوب بيستخبى في الزوايا ويخاف من أي صوت عالي، أول يوم شافني فيه مسك طرف فستاني وسألني: "إنتي هتسيبيني وتمشي زيهم؟" يومها بكيت ووعدته إني عمري ما هسيبه، ووفيت بوعدي سنين طويلة، اشتغلت الصبح موظفة استقبال وبالليل بخيط هدوم للناس عشان أصرف عليه، كنت بجوع وأكدب وأقوله إني شبعت وهو ياكل، بعت دهبي لما تعب وعملتله عملية، دفعتله مدارس خاصة ودروس وكورسات إنجليزي عشان ميحسش إنه أقل من زمايله، لما كان يتخانق مع حد كنت أنا اللي أجري، ولما يقع كنت أنا اللي أضمده، ولما ينجح كنت أنا اللي أطير من الفرحة، حتى لما دخل الجامعة كنت بشتغل شغلانتين عشان أجيبله عربية مستعملة يروح بيها عشان ميحسش بالنقص وسط صحابه، وعمري ما حسسته إنه متبني ولا إنه غريب عني، كنت بقول للناس كلها: "ده ابني اللي من لحمي ودمي"، لكن الليلة دي فهمت إن الإنسان ممكن ينسى كل حاجة لما الفلوس والمنظر يدخلوا حياته، وقفت قدامه وقلت بصوت مكسور: "أنا أمك يا إيهاب"، لكنه رد بقسوة: "الأم الحقيقية هي اللي تحترم حياة ابنها ومتحرجوش قدام الناس"، وقتها حسيت إن قلبي مات، الغريب إني معيطتش، بالعكس هديت بشكل مرعب، ابتسمت وقولتله: "مبروك يا ابني"، ولفيت ضهري ومشيت من غير ما أبص ورايا، محدش جري ورايا ولا حد وقفني، ركبت التاكسي وطلبت رقم المحامي سامح البارودي، أول ما رد قلتله: "نفذ كل حاجة"، سكت ثواني وقال: "إنتي متأكدة؟"
"أيوه"، والحقيقة إن إيهاب مكنش يعرف إن كل حياته متعلقة بيا أنا، الشقة اللي عايش فيها كانت باسمي، الشركة اللي فاتحها كانت بضمان فلوسي، العربية اللي بيتمنظر بيها متدفوع تمنها من حسابي، وحتى الحسابات اللي بيصرف منها كان فيها تحويل ثابت مني كل شهر، أنا كنت بسنده من غير ما يحس، كنت بخليه فاكر نفسه ناجح لوحده عشان يبقى واثق في نفسه، لكن بعد اللي حصل قررت أشيل إيدي خالص، في نفس الليلة الحسابات اتجمدت، والبنك بعت إنذار للشركة، وعقد إيجار المكتب اتلغى، والصبح وهو راجع من شهر العسل اكتشف إن الكروت البنكية كلها مرفوضة، في الأول افتكرها مشكلة نظام، راح البنك وهناك اتصدم لما عرف إن الضمانات اتسحبت وإن فيه مديونيات لازم تتسدد فورًا، اتجنن واتصل بيا أكتر من خمسين مرة وأنا مردتش، بعدها بساعات بسمة اكتشفت الحقيقة الكاملة، عرفت إن جوزها اللي كانت فاكرة إنه مليونير عصامي طلع عايش على فلوس أمه، أهلها اتقلبوا عليه فجأة، أبوها قاله بمنتهى الاحتقار: "إنت نصاب؟" وأمها سحبت بنتها من إيده قدام الناس، بسمة نفسها صرخت فيه وقالت: "إنت ضحكت عليا!"، رجع البيت يلاقي إن الشقة عليها نزاع قانوني وممنوع يتصرف فيها، لأول مرة في حياته حس بالخوف الحقيقي، فضل يومين يحاول يكلمني وأنا رافضة، وفي اليوم التالت لقيته واقف قدام باب شقتي القديمة الساعة اتنين بالليل، كان شكله متبهدل وعينيه حمرا، أول ما فتحت الباب نزل على رجلي يبكي ويقول: "سامحيني يا أمي"، بصيتله من فوق لتحت وسألته بهدوء: "أنا مين؟" سكت وانهار أكتر وقال: "إنتي أمي"، قلتله: "لا.. أمك كانت مش لايقة على البرستيج"
، فضل يعيط ويقول إنه غلط وإن بسمة ضغطت عليه وإنه مكانش يقصد، لكني لأول مرة مكنتش ضعيفة، لأول مرة حسيت إن كرامتي أهم من خوفي عليه، قولتله: "أنا عمري ما زعلت عشان الفلوس يا إيهاب، أنا زعلت عشان كسرت قلبي قدام الناس"، فضل يبوس إيدي ويترجاني أساعده، وأنا كنت شايفة قدامي الطفل الصغير اللي كان خايف أسيبه، بس كنت شايفة كمان الراجل اللي وقف يتفرج على إهانتي وسكت، قعدت ساكتة شوية وبعدين قولتله: "هساعدك تقوم على رجلك لوحدك، لكن مش هرجع أبني حياتك على حساب نفسي تاني"، ومن يومها بدأ يشتغل فعلًا من الصفر، باع عربيته وعاش في شقة إيجار صغيرة واشتغل ليل نهار عشان يسدد ديونه، بسمة طلبت الطلاق بعد شهور لما اكتشفت إن الحياة من غير فلوس مش شبه الصور اللي على إنستجرام، وأهلها قطعوا علاقتهم بيه، أما هو فكان كل أسبوع يجيلي ومعاه ورد أو أكلة بسيطة ويقعد يسمعني ويتكلم معايا كأنه بيحاول يصلح السنين اللي ضاعت، وأنا رغم وجعي كنت بشوف ندمه الحقيقي، وبعد سنة كاملة خبط بابي يوم عيد الأم ومعاه علبة صغيرة، فتحها وطلع منها سلسلة فضة بسيطة جدًا وقال وهو بيعيط: "دي أول هدية أجيبها بفلوسي أنا"، وقتها بس حسيت إن ابني رجعلي فعلًا، مش الولد اللي اتربى على إيدي وبس، لكن الإنسان اللي أخيرًا فهم إن الأم مش ماكينة فلوس ولا ست تتدارى وقت الإحراج، الأم وطن كامل، واللي يبيع وطنه عشان منظر قدام الناس عمره ما يكسب، وأنا يومها حضنته وبكيت لأول مرة من ليلة فرحه، بس كانت دموع مختلفة، دموع واحدة قلبها اتكسر واتصلح تاني بعد ما ابنها أخيرًا عرف قيمة الست اللي ضحت بعمرها كله عشانه.