ابني اللي عنده تمن كامله

لمحة نيوز

ابني اللي عنده تمن سنين انضرب وكان هيموت بين إيدين عمه وخاله في مدخل بيت جده، وتلات رجالة شواحط واقفين يضحكوا ومثبتينه في الأرض.. على ما وصلت المستشفى الميري في وسط البلد، كان الدكاترة بيتوشوشوا بكلام يرعب عن نزيف وارتجاج في المخ، بس الحتة اللي طيرت النوم من عيني مكنتش الدم ولا العاهات، الحتة اللي دبحتني بجد هي الوشوشة اللي ابني قالها وأنا ماسك إيده بابا.. جدي قال لي إنك مش جاي. كانوا فاكرينني مجرد أب فرفور من بتوع التجمع ومزنوق في زحمة كوبري أكتوبر، مكنش عندهم فكرة أنا أبقى مين بالظبط ولا إيه الماضي اللي أنا دافنه!
أول حاجة خطفت عيني جوة قصر العيني مكنتش الزيطة، كانت الإضاءة؛ لمبات الفلورسنت البيضا الفاقعة كانت بتزن فوق دماغي زي الدبابير وأنا قاعد متجمد في صالة طوارئ المستشفى، وإيديا مقفولة بقوة لدرجة إن صوابعي ابيضت وخشبت. في حتة قريبة، تلاجة الحاجه الساقعة رنت وهي بترمى كانز، وعيل صغير بيصرخ في آخر الممر، والممرضات بيجروا بورق وكشوفات والهدة باينة في عينيهم، وتليفوني مبيفصلش هز. شيرين.. مراتي رنت تمن مرات ورا بعض، تمن مرات بالعدد، بس مظهرتلهاش جرة في المستشفى ولا جيت تقف جنب ابنها. على كلام جارتنا الست أم محمد، شيرين كانت لسه قاعدة في بيت أبوها في فيلا المنصورية، في الوقت اللي ابني كان ماشي في الشارع بيبكي ودمه سايح وفردة جزمته ضايعة والدم بينقط من ودنه.


الدكاترة قالوا لي إن يوسف عنده ارتجاج جامد في المخ، ومكنش باين لسه القرار الأخير والاشاعات شغالة. أنا كنت سامع كل كلمة بس حاسس إنها تمثيلية مش حقيقة؛ حياتي كان مفروض تفضل عادية، تمارين كورة في النادي، ووجع دماغ المدارس، وأنا بدوس على لعبه في الضلمة وأنا صاحي بالليل، مكنتش مستني أشوف ابني الصغير مرمي ورا ستارة المستشفى ونص وشه ورم واتقلب أزرق في بنفسجي. الدكتورة قربت مني بالراحة وقالت يا أستاذ أحمد؟ هو صحي.. وعمال ينده عليك. مشيت وراها في وسط متاهة من الممرات اللي ريحتها ديتول وبنج وقهوة بايتة، وكل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها، ولما دخلت أوضة يوسف، قلبي اتعصر وعيني دمعت غصب عني. كان باين صغير وقليل قوي في سرير المستشفى الكبير ده.
الناحية اليمين من وشه كانت ورمة ومتبهدلة، والزرقان فارد تحت جلده زي سحابة ضلمة، شعره ملزق على قورته، وخدوش رفيعة مشرحة خده. بص لي وعينه مكسورة بابا.. الصوت ده شرح صدري نصين. مسكت إيده بحذر شديد وقلت له أنا هنا يا حبيبي، جنبك ومش هسيبك. صوابعه الصغيرة كانت بترتعش جوة إيدي، والدموع مليت عينه أنا حاولت أجري يا بابا. زوري اتقفل ومبقتش قادر أنطق متتكلمش دلوقتي يا حبيبي ارتاح. بس العيل المرعوب دايماً بيتكلم، السكوت بيخوفهم أكتر من الوجع.
جدي اتعصب وجاله جنان.. وقال إنك عامل فيها كبير على العيلة دي ومبتعبرناش. حسيت بحاجة ساقعة وميتة بتمشي
في عروقي، ويكمل يوسف بصوت بيترعش كان بيزعق.. وبعدين خالي كريم مسك دراعاتي، وعمي سامح ثبت رجلي في الأرض. الأوضة فجأة ضاقت عليا والحيطان قربت، ويوسف بلع ريقه بصعوبة وقال الكلمة اللي شقلبت كياني ونهت كل حاجة جدي مسك راسي ورزعها في أسفلت المدخل.
لثانية واحدة، النفس اتقطع عني. أنا شفت ضرب وموت قبل كده، شفت حاجات حقيقية، وقضيت سنين وسط رجالة بيعملوا بشاعات مفيش بشر يستحمل يتخيلها، اتعلمت إزاي أفضل هادي والطلقات بتخرم الحيطان والرجالة الشواحط بتصرخ وتترجى الرحمة، بس أسمع ابني بيوصف تلات رجالة كبار ومثبتينه في الأرض وجده بيضحك وهو بيرزعه؟ الكلام ده صحى جوايا وحش كان مدفون ومربوط بسلاسل من سنين. شفة يوسف اتهزت تاني وقال جدي قال لي.. أبوك مش هنا عشان يحميك. بست قورته بالراحة ومن غير ما آجي جنب الحتت الورمة، وخرجت للممر قبل ما يشوف الوش التاني والنار اللي بدأت تظهر في عيني. الدكتورة كانت بتتكلم ورايا بس مكنتش سامعها، إيدي كانت في جيبي وبتطلع التليفون. مكلمتش الشرطة ولا عملت بلاغ؛ الشرطة بتكتب تقارير، الشرطة بتعمل محاضر وتسأل أسئلة والوحوش بتنام مرتاحة في بيوتها على سرايرها. لأ.. أنا عملت مكالمة تانية خالص، رقم مشفر ومحمي بقالي سنين ملمستوش، والصوت على الناحية التانية رد في ثانية واحدة أنا محتاج فرقة تصفية وتنضيف فوراً. الخط سكت لثواني، وبعدين الصوت سأل ببرود مين الهدف
يا فندم؟ بصيت من إزاز الأوضة على ابني المتبهدل والمرمي في السرير.. ولأول مرة من وقت طويل، طلعت أمر عسكري هيقلب الدنيا وهيهد عروش فوق دماغ أصحابها...
الأمر اللي اتعطى في التليفون مكنش مجرد خناقة عائلية، ده كان إعلان حرب هتوصل لبيوتهم في نص الليل، والسر اللي هيتفتح من دفاتر أحمد القديمة هيخلي عيلة مراته كلها تتمنى لو كانوا ماتوا قبل ما يلمسوا شعرة من الواد!
لو عاوزين تعرفوا إيه اللي هيحصل لعيلة شيرين لما الوحش يصحى ومين هو أحمد ده بالظبط، لايك 
خرج أحمد من المستشفى بعد ما اطمن إن حالة يوسف استقرت، لكن النار اللي جواه كانت لسه مولعة. طول الليل قاعد في العربية قدام النيل، بيبص للمية ومش قادر ينسى كلمة ابنه
جدي قال لي إنك مش جاي.
كان عارف إن اللي حصل مش مجرد خناقة عائلية خرجت عن السيطرة، دي جريمة كاملة. والأصعب من الضرب نفسه إن ناس من دمه شاركت فيه.
لما رجع البيت قبل الفجر، فتح خزنة حديدية قديمة محدش يعرف عنها حاجة. طلع منها ملفات وصور ومستندات وأجهزة تخزين قديمة. شيرين كانت فاكرة إن جوزها مجرد رجل أعمال ناجح، لكن الحقيقة كانت أبعد من كده بكتير.
قبل سنين طويلة، كان أحمد ضابطًا في جهة سيادية حساسة، اشتغل في ملفات فساد وغسيل أموال وقضايا كبيرة هزت البلد. ولما قرر يسيب الشغل، احتفظ بحقوقه وعلاقاته، لكنه أقسم إنه يعيش حياة هادئة بعيدًا عن كل ده.
وفي الصباح، بدأ
يتحرك.

تم نسخ الرابط