سر سلسلة جدتي
سر سلسلة جدتي
في اليوم اللي ماتت فيه جدتي، أول حاجة عملتها مكنتش العياط ولا الصريخ، أنا مديت إيدي وبكل ثبات قلعت السلسلة الدهب الرفيعة من رقبتها، وبعدها شدّيت البلاطة الواسعة اللي ورا الفرن الطين القديم وطلعت الفلوس اللي كانت ملفوفة في أكياس بلاستيك وشلتها، وبعدها كلمت أبويا وجم هو ومراته يدوروا على الورث قبل ما يبصوا على جثة أمي اللي ربتني طول عمري، ولما مشيوا وسابوني لوحدي في البيت بعد الدفنة، ظهرت أسماء بنت الجيران وسلّمتني جواب من جدتي، ولما فتحته لقيت كلامها مكتوب بخط مرتعش يا بنتي الغالية، لو بتقري الجواب ده يبقى أنا خلاص سبت الدنيا، وأبوك ومراته أكيد قلبوا البيت يدوروا على أي حاجة تساوي قرش، بس هما عمرهم ما يعرفوا السر الحقيقي، انزلي السرداب القديم اللي تحت أوضة التخزين وافتحي الصندوق الخشب اللي عليه علامة الهلال. طول عمري عايشة في البيت ده ومكنتش أعرف إن فيه سرداب أصلًا، لكن افتكرت إن جدتي كانت ساعات تختفي نص الليل وترجع هدومها عليها تراب، وقتها مسكت الكشاف ونزلت أوضة التخزين، وبعد ما زحزحت دولاب قديم مكسور لقيت باب حديد صغير في الأرض، قلبي كان بيدق بعنف وأنا بفتحه، ونزلت درجات حجر قديمة لحد ما وصلت لمكان ريحته رطوبة وتراب السنين، وفي آخر السرداب كان فيه صندوق خشب كبير، فتحت القفل بصعوبة، وأول ما الغطا اترفع شهقت من الصدمة، جواه أكياس قماش قديمة مليانة جنيهات ذهبية وعملات أثرية ومجموعة أوراق وعقود ملفوفة بعناية، فضلت أبص للحاجات
كان صاحب أراضي واسعة زمان قبل ما يتنصب عليه أقرب الناس ليه، وإن جدتي فضلت طول عمرها تجمع المستندات اللي تثبت حقها وحق ابنها الوحيد اللي هو أبويا، لكن لما شافت طمعه وجحوده قررت تحافظ على كل حاجة لحد ما أكبر أنا، وكان وسط الورق عقد ملكية لأرض ضخمة على أطراف المدينة، قيمتها دلوقتي ملايين الجنيهات، وفي رسالة تانية كانت كاتبة لو لقيتي الورق ده، متديش أبوكي منه حاجة غير لو تاب واتغير، لأن الفلوس اللي بتروح للقلوب الجشعة بتضيع. قعدت طول الليل أبكي وأقرأ الرسائل، ولأول مرة حسيت إن جدتي كانت بتخطط لمستقبلي من سنين، وفي اليوم التاني رحت لأسماء وحكيت لها كل حاجة، وكانت أول حد يقف جنبي بجد، وأبوها كان راجل محترم عرف محامي أمين في المدينة، وبعد أسابيع طويلة من مراجعة المستندات تأكد إن كل الأوراق سليمة، وبدأنا إجراءات استرداد الأرض، وفي الوقت ده كان أبويا ومراته فاكرين إني عايشة على الفكة اللي سابوهالي، ومحدش فيهم سأل عليا ولا مرة، لكن بعد شهور قليلة بدأت الأخبار تنتشر إن فيه قضية قديمة اتفتحت من جديد بخصوص أرض كبيرة، ولما عرفوا إن اسمي موجود في الأوراق جن جنونهم، وجريوا عليا فجأة بعد ما كانوا ناسيين وجودي، دخل أبويا البيت وهو عامل نفسه حنين وقال إنتي بنتي ودمّي، أما مراته فكانت جايبة معايا أكياس أكل وهدايا رخيصة وتحاول تضحك في وشي، لكني كنت شايفة الحقيقة في عيونهم، كانوا جايين عشان الفلوس
ضخم غير حياتي كلها، فجأة بقيت أملك ثروة عمر ما حد في القرية تخيلها، لكن أول حاجة عملتها مكنتش إني أشتري عربية أو أبني قصر، أول حاجة عملتها كانت إني أبني قبر محترم لجدتي وأعمل لها صدقة جارية وبئر مياه باسمها، وبعدها رجعت المدرسة اللي كانوا عايزين يحرموني منها، وذاكرت ليل ونهار لحد ما بقيت من الأوائل، والسنين عدت بسرعة، وكل سنة كنت أنجح أكتر وأكبر أكتر، بينما أبويا كان يغرق في الديون بسبب الطمع وسوء التصرف، ومراته كانت تبيع دهبها قطعة وراء قطعة، وفي يوم جه أبويا البيت عندي بعد عشر سنين كاملة، كان شعره أبيض ووشه مرهق ومكسور، أول ما شفته افتكرت اللي عمله فيا وفي جدتي، لكنه كان بيبكي فعلًا، وقعد قدامي وقال أنا ظلمتك يا مريم، وسكت شوية قبل ما يكمل وظلمت أمّي قبل ما تموت، ولأول مرة شفت الندم الحقيقي في عينيه، ساعتها افتكرت وصية جدتي، إنها قالت متديهوش حاجة إلا لو تاب بجد، وبعد كلام طويل عرفت إن مراته سابته بعد ما خلصت فلوسه وإنه عايش لوحده ومريض، وكان ممكن أطرده وأنتقم منه، لكن جدتي عمرها ما ربتني على القسوة، فقررت أعالجه وأوفر له مكان يعيش فيه بكرامة من غير ما أديه سلطة على حياتي أو فلوسي، ومرت الأيام واتغيرت حاجات كتير، واتخرجت من الجامعة وفتحت مؤسسة خيرية لمساعدة الأطفال اللي أهلهم أهملوهم أو سابوهم للفقر والوحدة، وكنت كل مرة أشوف
ولا نسيت الست العجوز اللي كانت بتقسم اللقمة بيني وبينها وهي جعانة، وفي ليلة هادئة من ليالي الشتاء دخلت أوضتها القديمة اللي احتفظت بيها زي ما هي، وقعدت على نفس الدكة الخشب اللي كانت بتقعد عليها، وطلعت السلسلة الدهب الرفيعة اللي أخدتها من رقبتها يوم وفاتها، كنت محتفظة بيها طول السنين دي كلها، مسكتها بين صوابعي وابتسمت وسط دموعي، لأنني أخيرًا فهمت إن الورث الحقيقي اللي سابتهولي جدتي مكنش الأرض ولا الذهب ولا الملايين، الورث الحقيقي كان القوة اللي علمتهالي، والصبر اللي زرعته جوايا، والكرامة اللي خلت طفلة عندها 11 سنة تقف قدام الدنيا كلها ومتتكسرش، وعرفت وقتها إن بعض الناس بيسيبوا الدنيا وهم فقراء في نظر الجميع، لكنهم في الحقيقة بيسيبوا وراءهم كنوز أكبر من أي ثروة، وستي فاطمة كانت واحدة من الناس دي، وفضل اسمها عايش في كل خير عملته، وفي كل طفل ساعدته، وفي كل نجاح وصلت له، لحد ما بقت حكايتها أسطورة صغيرة في القرية كلها، حكاية العجوز الفقيرة اللي ماتت وسابت لحفيدتها كنزًا غيّر حياتها للأبد، لكن الكنز الحقيقي مكانش مدفون تحت الأرض... كان مدفون في قلبها هي.
رغم إن حياة مريم اتغيرت بالكامل، وإن اسمها بقى معروف في كل مكان، إلا إن فيه أسرار كانت لسه مستخبية في الظل مستنية اللحظة المناسبة عشان