بعد شهر واحد من دفن أخويا
بعد شهر واحد من دفن أخويا، دخلت بيت أرملته عشان أواسيها... لكن كل ليلة عند نص الليل
"بعد شهر واحد من دفن أخويا، دخلت بيت أرملته عشان أواسيها... لكن كل ليلة عند نص الليل، كنت بسمع صوت راجل غريب طالع من أوضتها المقفولة. في الأول افتكرته وهم من الحزن، لكن اللي شوفته لما فتحت الباب خلاني أتمنى إني ما دخلتش البيت ده من الأساس..."
الغدر بعد الموت ……
دخلت بيت أرملة أخويا بالظبط بعد شهر من وفاته، لكن كل ليلة عند نص الليل، كنت بسمع صوت راجل طالع من أوضتها.
لما وصلت، كانت أول مطرة في الشتا بتضرب الأرض بقوة. الزقاق الضيق كان غرقان مية لحد كاحل رجلي. ريحة البخور، وهي مختلطة بريحة تراب الأرض المبلول، كان ليها تقل غريب بيقبض الصدر. على ترابيزة الصالون، كانت صورة أخويا — رامي — محطوطة على الترابيزة و متربة. .
كان فات شهر بالظبط على اليوم اللي فارقنا فيه.
سناء، مرات أخويا، فتحت لي الباب. كانت خاسة جداً، وشعرها مربوط بإهمال ورا رقبتها. نظرتها الأولى كانت نظرة حد لسه بيتعلم إزاي يعيش من جديد — مكسورة، تعبانة، بس مش عايزة تبان حمل على حد.
قالت بصوت عامل زي الماعون الفاضي: "أنا بس محتاجة أحس بوجود بني آدم في البيت." هزيت راسي بالموافقة.
في المغربية، أكلنا لقمة سريعة و شربنا شاى واتكلمنا شوية .
سناء خدت قطمتين وبعدين زقت الطبق بعيد. قالت لي: "نام أنت في الصالة، وماتخافش من صوت الهوا
بصيت ناحية البلكونة — خيوط المطر كانت
رفيعة زي الفتلة. أنا مابخافش من الهوا؛ أنا بخاف من السكوت اللي بييجي بعد الوجع — السكوت اللي بيبقى جواه أصوات.
بالظبط عند نص الليل، الصوت جه.
ماكانش صوت هوا، ولا صوت التلفزيون بتاع الجيران.
صوت راجل — عميق وواضح — كأن في حد واقف جوه أوضة سناء وبيقول بالراحة: "ماتفتحيش الشباك، هتتعدي وتبردي."
قعدت في سريري مخضوض. باب أوضة سناء كان مقفول، وفي ضوء خافت طالع من تحت الباب كأنه بيتنفس. كنت لسه هخبط، بس رجعت في كلامي.
ليلة السبت، مابقتش قادر أستحمل. لما نفس صوت الراجل طلع تاني، والمرة دي كان واضح لدرجة إنه كأنه بيتهمس في ودني أنا:
"يا سناء، افتحي الدرج التالت، وطلعي الفوطة دي..."
جريت وفتحت الباب ودخلت.
أول ما الباب اتفتح، شوفت أباجورة منورة بضوء أزرق هادي.
سناء كانت مصدومة و فجأة شوفته ………….
بمجرد ما فتحت الباب، ضوء أباجورة أزرق هادي خبط في عيني. سناء ما كانتش قاعدة على طرف السرير، كانت قاعدة على الأرض جنب صندوق حديد قديم. إيديها كانت بتترعش. الصندوق كان مفتوح—وجواه رزم ورق، وشرايط كاسيت قديمة، وموبايل شاشته لسه مطفية حالا. ما كانش فيه أي حد تاني في الأوضة. مفيش راجل، ولا حتى خيال. مفيش غير سناء، والموبايل ده.
قلت وصوتي مش طالع من كتر الرعب: "الصوت ده.. إيه ده؟" ريقي كان ناشف تماماً.
سناء بصت لي وكأن
وبعدين شالت الموبايل بالراحة وقالت: "دي تسجيلات."
قلت لها وأنا مش مصدق: "تسجيلات؟ وعشان كده.. كل ليلة؟"
هزت راسها وقالت: "مش كل ليلة، بس لما النوم بيطير من عيني."
قعدت على الأرض مكاني، وضربات قلبي كانت مسموعة في وداني: "بس الصوت.. ده كان صوت رامي أخويا."
عينيها اتملت دموع وقالت: "أيوة، صوت رامي."
حكت لي إن بعد وفاته، وفي وسط أيام العزا، لقت شنطة صغيرة فوق الدولاب في مكان عمرها ما مدتش إيدها فيه. الشنطة كان فيها شرايط كاسيت وجهاز تسجيل ديجيتال قديم، وكل شريط مكتوب عليه التاريخ بخط إيد أخويا اللي مايتمسحش من ذاكرتي.
قالت لي بصوت واطي: "كان بيروح للدكتور من ورايا، كان خايف يقول لي إنه بيسمع أصوات عشان ماقلقش."
رفعت راسي باستغراب: "أصوات؟"
ردت: "أيوة، كان حاسس إن فيه حد في البيت.. كان عنده إحساس غريب. كان دايماً يقول لي: 'لو جرا لي حاجة مش هسيبك، هقول لك تعملي إيه'." سناء ضغطت على شفايفها وقالت: "كنت بضحك وأخد الموضوع بهزار."
شغلت شريط كاسيت، ونفس الصوت العميق اللي عارفه ملى الأوضة، بس المرة دي كان واضح من غير وشوشة: "سناء، لو بتسمعي الكلام ده، افتكري—ماتخافيش. الدرج التالت فيه أوراق التأمين. عقود الأرض في قاع الصندوق الحديد. و.. الحاجة اللي عمري ما قلتها لك..."
جسمي كله اتنفض.
رامي في التسجيل كان بيقول إن موته ماكانش حادثة عادية. فيه حد لعب في
العربية. ماقالش اسم محدد، بس قال: "كان حد قريب مننا." سجل كل حاجة قبل ما يروح يبلغ البوليس، عشان لو مالحقش، الحقيقة ماتموتش معاه.
سناء انفجرت في العياط: "كنت بسمع نفس المقطع كل ليلة، يمكن عشان كده الصوت كان بيبان كأنه حي وطالع من قلب الأوضة."
فجأة افتكرت—الأسبوع اللي فات كان فيه راجل غريب بيحوم حوالين البيت كتير. نفس الشخص اللي كان شغال مع رامي في الورشة وكان بينهم خناقة كبيرة على فلوس. تاني يوم الصبح روحنا البوليس، سلمنا التسجيلات والورق، وبدأ التحقيق.
مرت الأيام، والليالي بدأت تهدى. سناء بطلت تسمع التسجيلات. وفي يوم المغربية، قفلت الصندوق وحطت المفتاح في إيدي وقالت: "مابقتش محتاجة للأصوات خلاص، الحقيقة بقت في إيدي."
المتهم اتمسك بعد كام أسبوع، والتحقيقات أثبتت فعلاً إن الفرامل كان ملعوب فيها. المحكمة حكمت عليه، وفي اليوم ده، سناء لبست طرحة بيضا ونورت شمعة قدام صورته وقالت: "دلوقتي يقدر يرتاح."
الليلة دي، البيت كان ساكت تماماً. مفيش همس، مفيش تعليمات. بس ريحة مطر خفيفة في الجو.
وأنا ماشي، سناء ابتسمت وقالت لي: "ساعات بنفتكر إن الميتين بيتكلموا، بس الحقيقة إن اللي بيتكلم هو 'الحقيقة الناقصة'. لما الحقيقة بتكمل، السكوت بيبقى راحة."
وقفت وأنا خارج من الزقاق، السكوت مابقاش بيخوفني. كان صافي، زي السما لما تصفى بعد عاصفة تقيلة.
الدرس كان: الخوف مش بييجي
من الغموض، الخوف