شد طبق شوربة الفراخ من إيدي

لمحة نيوز

"شد طبق شوربة الفراخ من إيدي ودلقه
شد طبق شوربة الفراخ من إيدي ودلقه في الحوض ببرود، وبص لي وقالي مش هتدوقي لقمة في البيت ده إلا لما تنظفي الكركبة دي كلها.. مكنش يعرف إن الجملة دي هي القشة اللي هتقطم ظهر البعير، وإني في اللحظة دي بالذات هطلع الورقة اللي هتخرس أمه وتخليهم هما الاتنين يبصوا لبعض برعب!
أنا مريم، وممرضة في عيادة قلب في مصر الجديدة. بقالي خمس سنين متحملة ومستحملة قسوة جوزي طارق وتحكمات أمه، لحد ما جيت في يوم بعد شفت تلوتشر ساعة متواصلة، جسمي كله مهدود ورجلي مش شيلاني. كل اللي كنت حلمانه بيه إني أدخل شقتي، أسخن طبق شوربة دافي، وأنام. بس أول ما فتحت الباب، لقيت الصدمة؛ الصالة مقلوبة رأس على عقب، السجادة ملفوفة، وكتبي الروايات اللي شقايا ضاع عليها متطورة في الأرض، وفيه جردل مية مبهدل الطرقة. وفي المطبخ، كانت قاعدة حماتي، الحجة ثريا، لابة عبايتها وبتشرب شاي ببرود، وجنبها طارق قاعد بياكل ومستنيني أنظف وراهم. طارق بقاله سنتين مبيشتغلش، بحجة إنه فنان وبيدور على شغفه، وأنا اللي شايلة مصاريف البيت والإيجار والأكل، وفوق كل ده بجمع القرش على القرش عشان عملية قلبي لأمي التعبانة. لما سألتهم بوجع عن الكركبة دي، حماتي قالت لي بلؤم البيت اللي ملوش ست تنظفه بيبقى مزبلة، وإنتِ طول النهار برة وسايبة ابني زي العاجز. طارق مقالش كلمة يدافع بيها عني، بل بالعكس، لما جيت أسخن لنفسي طبق الشوربة

عشان أصلب طولي، قام وبأمر

من نظرات أمه شد الطبق من إيدي ودلقه في الحوض وقالي مش هتاكلي إلا لما الشقة دي ترجع فلة. الدموع جمدت في عيني، ومردتش؛ دخلت أوضتي وقفلت الباب وطلعت تليفوني. هما كانوا فاكرينني مستضعفة وببكي، بس أنا كنت بفتح الفايل اللي شلت سره عن طارق خمس سنين عشان جرح مشاعره؛ عقد ملكية الشقة! الشقة دي من أول متر فيها لحد آخر طوبة مكتوبة باسمي أنا، من شقايا وفلوس أبويا الله يرحمه، وطارق مملكش فيها مليم. كلمت المحامي وقلت له جملة واحدة ابعث الإنذار يا متر فوراً النهاردة. خرجت الصالة، ووقفت في وسط الكركبة وبصيت لهم بكل ثبات. حماتي لوت بوزها وقالت ها، نويتي تنظفي ولا لسة؟ أخدت نفس طويل وقلت لها بأعلى صوت وبمنتهى البرود لأ.. أنا نويت أطردكم أنتوا الاتنين برة بيتي. طارق تنح وأمه ضحكت بسخرية وقالت بيت مين يا عنيا؟ ده بيت ابني! رحت رامية عقد الملكية الأزرق المسجل في الشهر العقاري على السفرة وقلت لأ.. الشقة دي ملكي أنا.. والآن وروني هتعملوا إيه! الصالة كلها كتمت نفسها، والوشوش اتخطفت، وحماتي لأول مرة في حياتها ملقتش كلمة واحدة تنطقها!
يا ترى طارق وأمه هيعملوا إيه بعد ما عرفوا إنهم عايشين في بيت مريم ومطرودين في الشارع؟ وإيه السر اللي طارق ومامته مستخبيينه ومريم هتكتشفه في الجزء الجاي وهيقلب الموازين كلها؟ الحكاية مش مجرد خناقة حمات ومرت ابن، دي بداية حرب كرامة وأسرار هتهز البيت

كله!

طارق فضل باصص
على الورق كأنه أول مرة يشوف حروف في حياته.
مد إيده أخد العقد وقلب الصفحات بسرعة، وكل ثانية كانت ملامحه بتتغير أكتر.
أما حماتي ثريا، الست اللي صوتها عمره ما نزل، وقفت ساكتة.
لأول مرة.
قالت بتوتر أكيد فيه حاجة غلط... طارق قول لها إن الشقة بتاعتك.
بص لها طارق.
وكان سكوته هو الإجابة.
لأن الحقيقة اللي كان مخبيها عنها ظهرت.
هو طول السنين دي كان موهم أمه إنه صاحب البيت، وإنه هو اللي فاتحلي بابه، وإنه مستحملني.
لكن الحقيقة؟
أنا اللي كنت شايلة البيت كله.
قلت بهدوء خمس سنين يا طارق وأنا بحمي صورتك قدام الناس. لما حد كان يسألني إنت مش بتشتغل ليه، كنت أقول بتجهز مشروع. لما أمك كانت تقول فلوس ابنها، كنت أسكت. لما كنت تاخد من مرتبي وتقول لأصحابك إنك اللي صارف، كنت أسكت.
قرب مني وقال مريم بلاش تكبري الموضوع.
ضحكت بوجع.
كبر؟ أنت دَلقت الأكل من إيدي وأنا راجعة من شغل 12 ساعة عشان تثبت لأمك إنك راجل.
نزل عينه في الأرض.
حماتي حاولت ترجع لقوتها وقالت
حتى لو الشقة بتاعتك، ده جوزك وليه حق عليك.
بصيت لها وقلت
وأنا كان ليا حق الراحة والاحترام، بس محدش فيكم افتكره.
وقبل ما ترد، جرس الباب رن.
طارق فتح.
وكان المحامي واقف ومعاه جواب رسمي.
أخده طارق بإيد بتترعش.
قرأ أول سطر وبص لي بصدمة
إنتِ عملتي كده بجد؟
قلت
لأول مرة من خمس سنين... عملت حاجة عشان نفسي.
بس اللي مكنتش أعرفه إن الليلة لسه

مخلصتش.
لأن
بعد ما المحامي مشي، تليفون طارق رن.
وكان ناسيه على الترابيزة.
ظهر اسم غريب.
وطارق اتخطف.
في اللحظة دي فهمت إن خوفه مش بس من الشقة.
كان فيه حاجة تانية.
مسكت التليفون قبل ما يلحق، وفتحت الرسايل.
وقتها عرفت السر اللي كان مستخبي.
فلوس مرتبي اللي كان يقول لي إنه بيحوشها عشان مشروعه...
كانت بتتصرف على 
خروجات.
حسيت بوجع غريب.
مش غيرة.
لأ.
ندم.
ندم إني اديت إنسان أكتر مما يستحق.
طارق حاول يبرر
مريم اسمعيني...
قاطعته
سمعتك خمس سنين. دلوقتي دورك تسمع.
وقفت قدامه وقلت
أنا خسرت نومي وصحتي عشان بيت كنت فاكرة إنه بيتنا. بس اكتشفت إنه كان بيتي أنا لوحدي من البداية.
حماتي قعدت على الكرسي، والغرور اللي كان مالي وشها اختفى.
لأنها عرفت إن البنت اللي كانت بتعاملها كأنها ضيفة...
هي صاحبة المكان.
عدت أيام صعبة.
طارق حاول يرجع.
بعت ورد.
اعتذر.
دخل ناس بينا.
لكن في حاجات لما بتتكسر، الاعتذار مبيعرفش يصلحها.
أنا مسامحاه.
بس مش راجعة.
بعد شهور، حياتي اتغيرت.
رجعت أكمل دراستي في مجال التمريض المتخصص اللي كنت مأجلاه عشانه.
عملت عملية أمي.
ورجعت الضحكة لشقتي اللي كانت مليانة زعيق وخناق.
في يوم كنت راجعة من الشغل، وقفت قدام باب البيت.
افتكرت مريم القديمة.
اللي كانت داخلة تعبانة وخايفة تاكل طبق شوربة في بيتها.
ابتسمت وفتحت الباب.
دخلت.
سخنت لنفسي طبق شوربة.
قعدت على الكنبة بهدوء.
وأكلته للآخر.

لأن أحيانًا الإنسان مش بيحتاج ينتصر على حد...
قد ما يحتاج يفتكر قيمته.
تمت
 

تم نسخ الرابط