أمومه متاخره
أمومه متاخره
دخل مدحت القاعة وكأن مفيش حاجة حصلت، راسم على وشه الابتسامة اللي بتذل، وماشي وسط الناس يوزع سلامات كأنه هو اللي سهر الليالي وهو اللي ربى.
ياسين كان واقف على المسرح، لابس روب التخرج، وشكله يفرح.. راجل بجد. أول ما مدحت شافه، عينيه لمعت، بس مش حب، دي كانت لمعة المنظرة قدام الناس.
مدحت قرب من المسرح، ووسط زحمة الأهالي والصحابة، رفع صوته عشان الكل يسمع وقال
مبروك يا بطل.. مبروك يا ابن مدحت.. كنت عارف إنك هتشرفني وتطلع زي أبوك!
القاعة كلها سكتت، والناس بدأت تبص ب إعجاب ل الأب الفخور اللي أخيراً ظهر. مدحت مد إيده لياسين وهو واثق إن ياسين هيترمي في حضنه قدام الكاميرات، عشان يكمل الصورة المثالية اللي مدحت عاوز يسوقها لنفسه.
ياسين بص لإيد أبوه الممدودة.. وبعدين بص لوشه بكل هدوء. الثواني دي مرت كأنها سنين.
ياسين قرب من المايك، وبصوت ثابت وقوي هز القاعة، قال
أنا متشكر جداً لحضرتك.. بس حضرتك باين اتلخبطت في العنوان. مدحت اللي أعرفه مات من 15 سنة، وأنا اسمي ياسين هالة.. أنا ابن الست اللي وقفت في ضهري لما الكل هرب، والراجل اللي شرفني بجد هو اللي رباني، مش اللي بعت لي شيكات عشان يشتري بيها غيابه.
مدحت إيده اتنفضت، والابتسامة اتجمدت على وشه. كمل
ياسين وهو بيبص في عين أبوه مباشرة
لو
القاعة اتقلبت همس وغمز، ومدحت وشه بقى يجيب ألوان.. البرستيج اللي قعد سنين يبنيه بالفلوس والمنظرة، اتهد في لحظة بكلمتين من طفل هو افتكر إنه ممكن يشتريه في أي وقت.
نزل ياسين من على المسرح، متجاهلاً مدحت تماماً كأنه هوا، وجه لحد عندي.. وطى على إيدي باسها قدام الكل وقال
مبروك يا أمي.. إحنا اللي كسبنا.
في اللحظة دي، شفت مدحت وهو بيلم نفسه وبيمشي بسرعة من القاعة، ظهره منحني لأول مرة، وكأنه فجأة كبر 100 سنة.. عرف إن الخسارة مش فلوس، الخسارة إنك تضيع سندك وعزوتك عشان خاطر شوية راحة ملهاش طعم.
ياسين كسر عينه، مش بالدراع ولا بالخناق.. كسر عينه بالاستغناء. ومن يومها، مدحت مظهرش تاني، وأنا اتأكدت إن ال 41 سنة اللي استنيتهم عشان أجيب ياسين، كانوا يستاهلوا كل ثانية وجع.
بعد ما مدحت خرج من القاعة وهو بيجر أذيال الخيبة، الدنيا مخلصتش هنا. الصدمة كانت أكبر من إنه يستوعبها في ليلة واحدة.
بعد أسبوع، لقيت جرس الباب بيرن. فتحت لقيت مدحت واقف، بس مش مدحت بتاع زمان.
. وشه كان باهت، وعينيه فيها انكسار عمري ما شفته. حاول يتكلم، صوته كان بيرعش
أنا مش جاي
ضحكت بوجع وقلت له
الفلوس بتشتري لبس، بتشتري مدرسة، لكن مش بتشتري أب. ياسين مكنش محتاج شيكاتك، كان محتاج حد يذاكر له، حد يسند عليه وهو خايف، حد يحضر له أول ماتش كورة.. إنت اخترت تشتري راحتك، وهو اختار يشتري كرامته.
في اللحظة دي ياسين خرج من أوضته. شاف أبوه، ولا ارتبك ولا غضب.. بص له ببرود تام كأنه بيبص لواحد غريب واقف في الشارع.
مدحت حاول يقرب منه ياسين.. أنا مستعد أعوضك عن كل اللي فات، أي حاجة تطلبها هتكون عندك، سفر، عربية، شغل في أكبر الشركات..
ياسين ابتسم ابتسامة هادية وقطعه
إنت لسه مفهمتش يا أستاذ مدحت.. الوجع مش إن معنديش عربية، الوجع إنك كنت موجود ومخترتش تكون موجود. العوض اللي بجد أنا خدته خلاص.. خدته من أمي اللي كانت بتلعب دورين، ومن نفسي اللي قدرت تنجح من غير ما تستنى زقة منك.
ياسين كمل وهو بيفتح له الباب بكل ذوق
أنا مسامحك على فكرة، بس المسامحة مش معناها إنك ترجع في حياتنا. المسامحة معناها إنك مابقتش تفرق
معايا أصلاً.. لا حب ولا كره. إنت مجرد ماضي وانتهى، والفلوس اللي كنت بتبعتها؟ اعتبرها دين واترد لك يوم ما بقيت راجل ومش محتاج حد.
مدحت بص
قفلت الباب ورا مدحت، وبصيت لياسين. حضني وباس راسي وقال لي
يلا يا ست الكل، العشا جاهز؟ ورايا شغل الصبح وعاوز أبدأ يومي بدعوتك.
في اللحظة دي بس، عرفت إني كسبت الرهان.. ال 41 سنة، والوحدة، والتعب، كلهم دابوا في ضحكة ياسين وهو مالي عليا البيت. الحكاية مخلصتش بوجع، الحكاية خلصت ب نصر لست قررت إنها متكسرش ابنها، وابن قرر إنه يكون هو السند اللي أبوه معرفش يكونه.
بعد ما الباب اتقفل، مكنتش دي النهاية لمدحت، كانت البداية الحقيقية لندمه.
مرت شهور، وبدأ مدحت يبعت رسايل وهدايا، بيحاول يصلح اللي انكسر. كان بيبعت رسايل طويلة لياسين يحكي له فيها عن أعذاره، وعن قد إيه هو كان صغير وتفكيرنا كان مختلف وقتها. ياسين كان بيوريني الرسايل دي وهو بيضحك بمرارة شايفة يا أمي؟ لسه فاكر إن الاعتذار بيصلح سنين الغياب.
وفي يوم، مدحت تعب.. أزمة صحية مفاجئة دخلته المستشفى.
ملقاش حد جنبه، صحاب السهر والجيم كلهم اختفوا، ومراته اللي كانت بدايته الجديدة ملقيتش فيه الراجل اللي بيصرف وبيدلع، فانسحبت بهدوء.
لقيت مكالمة من المستشفى
بصيت