أمومه متاخره

لمحة نيوز

لياسين، وقلت له يا ابني، دي أصول.. روح وشوفه، مش عشان خاطره، عشان خاطر ربك وعشان أنت راجل.
ياسين راح.. دخل الأوضة، مدحت كان نايم، أجهزة حواليه وشكله بقى عجوز ومطفي. أول ما شاف ياسين، دموعه نزلت سامحني يا ابني.. أنا ضيعت عمري في وهم، وطلعت في الآخر ماليش حد غيرك.
ياسين وقف قدامه بكل ثبات، مكنش فيه غل، كان فيه شفقة. قعد جنبه وقال له بهدوء
أنا مسامحك يا بابا.. ك إنسان. بس أنت طلبت بداية جديدة زمان، وخدتها.. وأنا كمان بدأت بدايتي ونجحت فيها. اللي بينا مخلصش بوجع، هو بس مكنش موجود أصلاً عشان يخلص.
مدحت مد إيده يمسك إيد ياسين نفسي بس الناس تعرف إنك ابني.. نفسي أصلح صورتي قدامهم.
ياسين سحب إيده بالراحة وقال له الكلمة اللي قتلت مدحت وهو عايش
الناس مش محتاجة تعرف إن أنا ابنك.. الناس محتاجة تعرف إن هالة هي اللي ربت الراجل ده. أنت اخترت تكون صاحب الفلوس، وأنا دلوقت ميسور الحال ومش محتاج حاجة.. اهدى وارتاح، ومتقلقش، مصاريف المستشفى
أنا دفعتها بالكامل.. مش من شيكاتك، من تعبي وشقايا.. عشان نكون خالصين يا مدحت بيه.
ياسين خرج من المستشفى، ومدحت عرف في اللحظة دي إن الخسارة الحقيقية مش
إنك تخسر فلوسك، الخسارة إنك تخسر مكانك في قلب ابنك للأبد، لدرجة إنه يدفع لك تمن عمرك عشان ميخليش لك جميل عليه.
رجع لياسين البيت، دخل في حضني وقال كده الحكاية قفلت يا أمي.. والصفحة اتقطعت.
وعشنا أنا وهو، هو بيكبر في نظري ونظر الناس، وأنا بشوف فيه تعب السنين اللي راح في مكانه.. ال 41 سنة مكنوش مجرد سن، دول كانوا أجمل بداية لأحلى حكاية.
خلفت وأنا عندي 41 سنة.. وبعدها جوزي سابني وراح يدور على حياته اللي ضاعت، وساب طفل لسه يدوب بيفتح عينيه. وبعد 15 سنة، ابننا كسر عينه في ثواني.
جبت ابني وأنا عندي 41 سنة في الوقت اللي كان الكل بيأكد لي فيه إن القطر فاتني وخلاص مش هبقى أم. لكنه متأخرش.. هو جه في وقته بالظبط، لما كنت محتاجة له أكتر من أي حاجة في الدنيا.
سنين وأنا مستحملة كلامهم اللي كان سم في عسل، عامل كأنه خوف عليا إنتي كبرتي خلاص.. يمكن لازم ترضي بنصيبك وتنسي الموضوع. كنت ببتسم في وشهم وأمثل إن الكلام مش واجعني، بس الحقيقة إن كل كلمة كانت بتسيب جرح.
عشان كده لما شوفت الخطين في اختبار
الحمل، مفرحتش.. قعدت على أرضية الحمام وإيدي بتترعش، وبكيت لدرجة إني مكنتش عارفة أخد نفسي.
كان
عندي 41 سنة. جسمي كان هلكان، وجوازي كان خلاص بدأ يصدي. جوزي مدحت كان بدأ يبص لي كأني مابقتش لايقة على طموحاته ولا على الخروجات والسهر اللي هو عاوزه.
ومع ذلك، اخترت الأمل وأنا بقوله الخبر إنت هتبقى أب، قلتها بصوت واطي.
بص لي لحظة.. وبعدين ابتسم، بس الابتسامة موصلتش لعينيه. في سننا ده يا هالة؟ تمتم بالكلمة وسكت.
كبرت دماغي، لأني لما بتستني حاجة سنين طويلة، ساعات بتغمي عينك عن الحقيقة. الحمل كان تقيل ومُتعب.. مشاوير دكاترة، ونهجان، وخوف مبيفارقنيش. بس كل حركة منه في بطني كانت بتفكرني أنا ليه مستحملة.
في الوقت ده، مدحت كان بيبعد أكتر وأكتر. بدأ يغرق نفسه في الشغل، في الجيم، في السفر مع صحابه.. كان بيهرب من فكرة إن فيه مسؤولية جديدة هتربطه بالبيت أكتر.
لما ابني شرف الدنيا، سميته ياسين. في اللحظة اللي حطوه فيها في حضني، كل اللي فات هان.
مدحت جه المستشفى متأخر. دخل لابس ومتشيك، كأنه واحد غريب جاي يبارك وماشي. بص لياسين ببرود وقال مبروك، شكله هادي.
بس كده.. مقالش ابني. مقالش حمد الله على سلامتك. قال شكله هادي.. كأنه بيوصف قطعة ديكور
اشتريناها للبيت.
بعدها ب 3 شهور، قرر ينهي كل
حاجة. من غير خناق، من غير قلة أدب.. بس بمنتهى الأنانية. حط شنطته عند الباب وقال أنا مش حمل عياط بليل وتغيير حفاضات ومسؤولية طفل وأنا في السن ده.. أنا عاوز أعيش اللي فاضل من عمري حر، من غير قيود.
سألته بصدمة يعني هتسيب ابنك عشان عاوز تعيش حر؟
رد وهو باصص الناحية التانية هبعت لكم فلوس، ومصاريفه كلها عندي.. بس أنا مش هقدر أعيش في السجن ده.
دي كانت اللحظة اللي مات فيها جوايا أي احترام ليه. استوعبت إنه مش بس بيسيبني، ده بيختار نفسه وراحته على حساب ابنه اللي حلمنا بيه.
بطلت أتحايل عليه. حضنت ابني أقوى وشوفته وهو ماشي.. كأن الأبوة دي حمل تقيل رماه من على كتافه عشان يعرف يجري لوحده.
على مدار ال 15 سنة اللي فاتوا، ربيت ياسين لوحدي. كبرت فيه الراجل اللي كنت أتمنى أبوه يكون عليه. وخدت عهد على نفسي ابني مش هيكبر وهو بيجري ورا حد باعه عشان مزاجه.
اللي مكنتش عامله حسابه.. إن في يوم، وفي وسط زحمة حفلة تكريم لياسين وهو متفوق، مدحت هيدخل فجأة ببدلته الغالية وضحكته اللي مغيرهاش الزمن، ويحاول يمثل دور الأب الفخور قدام الناس
وياسين مش هياخد أكتر من 3 ثواني عشان يكسر برستيجه ويمسح بكرامته الأرض
قدام الكل.
الجزء الثاني قريباً..

تم نسخ الرابط