بقايا الحلم الغايب

لمحة نيوز

يا بيه.. الولد ده عاش معايا في الملجأ لحد ما تم ب سنة قالتها سعاد الشغالة بصوت واطي ، وهي واقفة في صالة الفيلا وجسمها كله بيترعش.
إسماعيل الدمنهوري اتسمر مكانه قدام الصورة القديمة اللي متعلقة على الحيطة. الطفل اللي في اللوحة كان نسخة طبق الأصل من أخوه الصغير يحيى، اللي اختفى من أكتر من تلاتين سنة. نفس العينين، نفس ملامح الوش، وحتى نفس النظرة البريئة اللي مكنش قادر ينساها أبدًا.
إحنا كنا بنناديه ياسين.. بقلم منال علي 
همست سعاد وهي بتمسح دموعها
مكنش بيتكلم عن أهله بوضوح أبدًا.
إسماعيل حس إن نفسه انقطع، سألها بصوت متحشرج
إنتي متأكدة يا سعاد من اللي بتقوليه ده؟
أيوه يا بيه.. أنا كبرت معاه في الملجأ، وكان دايمًا هو اللي بيحميني لما مكنش لينا حد غير ربنا. بقلم منال علي 
إسماعيل كان عنده كل حاجة الفلوس، الوجاهة، واسم عيلة كبير.. بس مفيش حاجة قدرت تملى الفراغ اللي سابه يحيى لما اختفى وهو عنده 4 سنين بس. رغم سنين التدوير،

وتحقيقات البوليس، وصور الجرائد، والأمل اللي مكنش بيموت جوه قلبه، يحيى مرجعش. بقلم منال علي 
كل ده حصل في صباح يوم جمعة هادي في حديقة الأورمان. المربية انشغلت عنه لحظة واحدة.. والولد فص ملح وداب. إسماعيل، اللي كان وقتها عنده 8 سنين، قطع عهد على نفسه في سره إنه مش هيرتاح غير لما يلاقي أخوه.
الزمن عدى، وحال العيلة اتشقلب. أمه ذبلت وانطفت بالتدريج، وأبوه دفن نفسه في الشغل، والفيلا اللي كانت كلها ضحك ومزيكا بقت عبارة عن جدران صامتة ومؤلمة. مكنش فاضل غير صورة يحيى القديمة هي اللي بتفكرهم باللي ضاع منهم. بقلم منال علي 
من أسبوعين بس، سعاد جت تشتغل في الفيلا. كانت هادية، بتراقب كل حاجة حواليها من سكات. إسماعيل مكنش بياخد باله منها.. لحد ما في عصر يوم لقاها واقفة زي الصنم قدام صورة أخوه.
في حاجة يا سعاد؟ واقفة كدة ليه؟
سألها باستغراب وهو نازل من على السلم.
سعاد لفت وشها ليه وعينيها غرقانة دموعبقلم منال علي 
يا بيه.
. الولد ده عاش معايا في الملجأ لحد ما بقى شاب.. كنا بنقوله يا ياسين.
إسماعيل بصلها بذهول، وحس بضربات قلبه بتهز صدره. سعاد بلعت ريقها وكملت بصعوبة بقلم منال علي 
كان ساعات يحكي عن بيت كبير فيه بيانو، وعن جنينة مليانة ورد جهنمية عالي.. وعن أخوه الكبير اللي كان دايمًا يدلعه ويقوله يا بطل. مكنش حد بيصدقه يا بيه.. بس أنا كنت بصدقه.
إسماعيل حس إن الأرض بتلف بيه في وسط صالة بيته.
هل معقول بعد السنين دي كلها، الحقيقة اللي كان بيدور عليها بيأس، بقت أخيراً بين إيديه؟
يتبع.....
إسماعيل معرفش يغمض عينه ليلتها.
كلام سعاد فضل محفور في صدره زي الجرح المفتوح.. بيت كبير فيه بيانو.. جنينة مليانة ورد جهنمية.. أخ كبير بيقوله يا بطل. دي تفاصيل شخصية جدًا، وصغيرة أوي، ودقيقة لدرجة تخليها مستحيل تكون مجرد صدفة. معقول يكون ياسين هو نفسه يحيى؟ ومعقول يكون عاش السنين دي كلها في ملجأ وهو أهله قلبهم بيتحرق عليه؟بقلم منال علي 
تاني يوم الصبح،
وأول ما الشمس شقشقت فوق شجر حي المعادي الهادي، إسماعيل أمر السواق يجهز العربية فوراً. بقلم منال علي 
خدني للملجأ اللي سعاد قالت عليه.. حالا!
قالها بلهجة مفيهاش نقاش، وهو حتى ملمسش فنجان القهوة بتاعه، ولا داق طعم الأكل.
طول الطريق كان شريط الذكريات بيعدي قدام عينيه.. يوم ما يحيى تاه في زحمة حديقة الأورمان، صرخة أمه اللي لسه بترن في ودنه، ونظرة أبوه المكسورة وهو راجع البيت من غير ابنه الصغير. إسماعيل كان حاسس إن قلبه هيقف من اللهفة والخوف.. خايف يوصل وتطلع الحقيقة مرة، أو يطلع مجرد تشابه أسماء وتتبخر أحلامه تاني.
وصلت العربية قدام سور قديم ومتهالك لدار أيتام في أطراف القاهرة. نزل إسماعيل بهيبته ودخل المكتب، وطلب يقابل المديرة فوراً.
أنا جاي أسأل عن ولد كان هنا من سنين.. كان اسمه ياسين.
المديرة بصت في السجلات القديمة وهي مستغربة من استعجال الراجل اللي باين عليه العز ده. وبعد وقت طويل من البحث، رفعت راسها وقالت
أيوه يا
فندم، ياسين فعلاً
 

تم نسخ الرابط