بقايا الحلم الغايب
كان عندنا.. بس ياسين ساب الدار من زمان، ومن وقتها وإحنا منعرفش عنه حاجة.
إسماعيل حس إن الدنيا اسودت في عينه، وسأل بصوت واطي
طيب مفيش أي خيط؟ أي مكان راح فيه؟ أي حد كان يعرفه؟
المديرة سكتت شوية، وكأنها بتفتكر، وبعدين قالت
هو كان دايمًا معاه نوتة صغيرة، مكنش بيسيبها من إيده أبدًا.. وقبل ما يمشي، ساب هنا جواب، وقال لو حد سأل عليا في يوم من الأيام، ادوله الجواب ده بقلم منال علي
إسماعيل خد الجواب وإيده بتترعش، وفتحه ببطء.. وكان مكتوب فيه كلمات بسيطة بس كفيلة إنها تهد جبال
أنا عارف إن البطل مش هينساني.
دخل إسماعيل المكتب، وقابل مدير الدار، راجل عجوز شعره أبيض والنظارة على طرف مناخيره. إسماعيل سأله بلهفة
أنا بسأل عن ولد كان هنا من سنين.. كان اسمه ياسين، ساب الدار وهو عنده 14 سنة.
الراجل العجوز سكت شوية، وكأنه بيقلب في صفحات الذاكرة، وبعدين ابتسم بأسى وقالبقلم منال علي
ياسين؟ طبعاً فاكره.. ده كان الولد الوحيد اللي عمره ما فقد الأمل إن أهله هيجوا. كان كل يوم جمعة يقف قدام الباب، يلبس أحسن حاجة عنده ويستنى.. لحد ما الشمس تغيب.
إسماعيل
طيب هو فين دلوقتي؟
المدير قام وفتح دولاب خشبي قديم، وطلع منه أجندة صغيرة جلدها متقطع، وقالبقلم منال علي
ياسين دلوقتي بقى راجل.. هو شغال مهندس زراعي في مشتل كبير في القناطر الخيرية. ساب لي عنوانه وقال لي لو حد جه سأل يا متر، قوله إني لسه بزرع ورد الجهنمية اللي كان في بيتنا.
إسماعيل مكدبش خبر، خد العنوان وطار بالعربية على هناك. وصل لمكان كله خضرة وورد، وشاف من بعيد راجل شاب، ملامحه هادية، واقف بيدي ضهره للطريق ويسقي الزرع. بقلم منال علي
إسماعيل نزل من العربية بخطوات تقيلة، ونادى
يحيى؟
الشاب اتسمر مكانه.. الصوت ده كان بيسمعه في أحلامه بس. لف وشه ببطء، وبص لإسماعيل. للحظة، الزمن وقف. نفس العينين، نفس الملامح، بس السنين حفرت فيها حكايات كتير.
إسماعيل قرب منه وهو بيترعش، وفتح إيده وقال الكلمة اللي كان شايلها في قلبه تلاتين سنة
تعالى في حضني يا بطل.. وحشتني يا يحيى.
يحيى رمى اللي في إيده وجري على حضن أخوه، وانفجروا هم الاتنين في عياط هز المكان كله. تلاتين سنة من الوجع والتدوير خلصت في لحظة واحدة.. لحظة رجوع الغايب لحضن أهله، ورجوع الروح للفيلا اللي كانت ميتة من
تمت.