ياسين
دلوقتي كل حاجة بقت إشارة.
بعد العصر، ياسين ساء أكتر. بدأ جسمه يتشنج من الألم. ما بقاش يترجى، ولا يصرخ، ولا يدافع عن نفسه. بس كان بيعض على سنانه والدموع بتنزل من جنب عينيه في صمت.
أم فتحية فهمت إن لو استنت إذن، الولد ممكن يمــ,,ـــــوت.
لما المطر بدأ يخبط على شبابيك البيت، نزلت الجراج. دورت وسط عدة سامح لحد ما لقت بنسة حديد تقيلة. خبتها تحت طرحتها، وطلعت أوضة ياسين وقفلت الباب بالمفتاح.
سامح سمع صوت القفل.
أم فتحية؟ إنتي بتعملي إيه؟
نجلاء صرخت من وراه:
دي اتجننت! هتأذيه!
أم فتحية خدت نفس عميق. ياسين بصلها من غير خوف. كان في عينيه أمل بس.
همست له:
استحمل يا قلب دادة… هطلع اللي بي.ك.
حطت البنسة على طرف الجبس.
طق.
أول شرخ في الجبس كان صوته كأن البيت كله اتكسر.
ومع أول فتحة، طلعت ريحة مسكرة ومعفنة لدرجة إن أم فتحية فهمت إن الحقيقة أبشع من كل اللي تخيلته.
الجزء الثالث
سامح كسر الباب برجله ودخل في اللحظة اللي الجبس اتفتح فيها.
كان
الريحة ضــ,,ـــــربته الأول.
وبعدين شاف دراع ياسين.
ماكانش مجرد احمرار ولا حساسية. تحت الجبس كان في مادة لزجة غامقة، بقايا عسل وسكر، جلد ملتهب، ونمل أحمر صغير بيتحرك بين الشاش الداخلي. وفي أماكن تانية كانت في ديدان صغيرة بيضا بتتحرك حوالين الجروح.
ياسين ماكانش بيتخيل.
ماكانش مجنون.
كان بيتاكل بالبطيء تحت سجــ,,ـــــن أبيض كلهم سموه علاج.
سامح حط إيده على بقه ووقع على ركبته.
لا… لا يا ابني… سامحني…
أم فتحية، وهي بتعيط من القهر، زقت قطعة الجبس المكسورة ناحيته وقالت:
بص كويس يا أستاذ سامح! ده اللي كان مجننه! وإنت كنت هتدخله مصحة!
سامح ما قدرش يرد. شال ياسين بسرعة وجرى بيه على الحمام. فتح الميه الدافية وغسل دراعه بحرص وهو بيقول كل شوية:
سامحني يا حبيبي… سامحني… أبوك كان غبي.
ياسين كان بيشهق بهدوء. كان أضعف من إنه يتكلم.
نجلاء حاولت ترجع لورا ناحية الممر، كأنها
قالت بصوت مهزوز:
افتح درج الأدوية اللي تحت.
سامح رجع وهو ماسك فوطة، وفتح الدرج.
وهناك كانت السرنجة الكبيرة.
وفي طرفها آثار عسل وسكر ناشفين.
الصمت اللي نزل على البيت كان مرعب.
نجلاء رفعت إيديها وقالت بسرعة:
سامح، الموضوع مش زي ما إنت فاهم. ده كان علاج بلدي. جدتي كانت بتقول إن العسل—
قاطعها بصوت مكتوم:
إنتي حقنتي العسل جوه جبس ابني؟
قالت بتوتر:
أنا بس كنت عايزاه يبطل تمثيل.
صرخ فيها:
ده عنده عشر سنين!
صوت سامح هز البيت كله. ولأول مرة، نجلاء ما لقتش رد جاهز. وشها الهادئ اتبدل، وظهر الغل الحقيقي في عينيها.
قالت بحدة:
من يوم ما دخلت البيت وهو بيكرهني. دايمًا باصص لي كإني غريبة. دايمًا مفكرك بمراتك اللي ماتت.
سامح ساب إيدها كأنها نــ,,ـــــار.
إنتي ما كنتيش غيرانة… إنتي كنتي عايزة تدمريه.
في الليلة دي، الإسعاف خد ياسين للمستشفى. الدكاترة أكدوا إن عنده التهاب شديد، وإنهم لو كانوا استنوا
نجلاء اتقبــ,,ـــــض عليها بعد ما سامح سلم السرنجة والجبس وشهادة أم فتحية. حاولت تقول إنهم بيبالغوا، وإن ياسين مضطرب، وإن أم فتحية لفقّت الحكاية. لكن تقرير المستشفى، والأدلة، وكلام الطفل نفسه قالوا الحقيقة.
بعد شهور، رجع ياسين البيت.
دراعه فضل فيه آثار وجروح، لكن قوته رجعت. سامح باع الفيلا اللي كانت مليانة ذكريات مرعبة، وانتقل مع ابنه لشقة أهدى في مدينة نصر. وأم فتحية راحت معاهم، مش كخدامة… كأهل.
في يوم من الأيام، ياسين حــ,,ـــــضنها بدراعه اللي اتعافى وقال:
إنتي الوحيدة اللي صدقتيني.
مسحت على شعره وقالت:
أحيانًا يا ابني، إنك تنقذ حد بيبدأ بس إنك تسمعه… لما كل الناس تختار إنها تتجاهله.
وسامح كان واقف على الباب وعينيه مليانة دموع. عارف إن الذنب عمره ما هيروح بالكامل. لكنه كان عارف كمان إن العدل بدأ في اليوم اللي ست بسيطة اتجرأت تكسر الجبس…
تمت