ملك الشاذلي كاملة

لمحة نيوز

ملك الشاذلي 
أنا مش قادرة أقعد يا أبلة بيوجعني.
كانت تلك أول جملة قالتها الطفلة ملك الشاذلي صباح ذلك اليوم داخل مدرسة النور الابتدائية، في حي شعبي بمحافظة الجيزة. لم تتجاوز السادسة من عمرها، وحقيبتها ما تزال معلقة فوق ظهرها الصغير، بينما كانت عيناها مثبتتين بالأرض وكأن النظر لأي شخص قد يوقعها في مشكلة أكبر.
المعلم أحمد منصور وضع الكراسات فوق المكتب ببطء. الأطفال حوله كانوا يخرجون الألوان ويتشاجرون على المقاعد القريبة من الشباك، لكن ملك بقيت واقفة مكانها، شاحبة الوجه، تضم يديها إلى صدرها بتوتر.
اقترب منها أحمد وانحنى لمستواها.
وقعتي يا حبيبتي؟ حد خبطك؟
هزت رأسها بالنفي بخفة.
بيوجعني تحت أوي.
تجمد الدم في عروقه. لم تكن الكلمات وحدها ما أخافه بل الطريقة التي قالتها بها. خوف. خجل. وكأنها تعتذر لأنها تتألم.
طيب تعالي نقف جنب المكتبة شوية، هناك أهدى.
تحركت خطوة ثم توقفت.
ينفع أفضل واقفة؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
أكيد ينفع.
خرج إلى الممر محاولًا إخفاء ارتجاف يديه، ثم أخرج هاتفه واتصل بالإسعاف والشرطة في نفس الوقت.
معاكم الأستاذ أحمد منصور من مدرسة النور الابتدائية. عندي طفلة عندها ست سنين بتقول إنها مش قادرة تقعد بسبب الألم حاسس إن فيه حاجة غلط ولازم حد يتدخل.
وصلت دورية الشرطة بعد نصف ساعة تقريبًا، بدون siren أو ضجة. خرجت المديرة

سهام فوزي لاستقبالهم بابتسامة متوترة.
أكيد فيه سوء فهم يا حضرة الظابط الأطفال أحيانًا بيتخيلوا حاجات.
لم يرد أحمد. فقط نظر ناحية الفصل، حيث كانت ملك ما تزال واقفة تحتضن حقيبتها كأنها درع يحميها من العالم.
جلست شرطية مع الطفلة داخل مكتب المديرة، وسألتها بهدوء
مين اللي وجعك يا حبيبتي؟ حد قالك متتكلميش؟
خفضت ملك عينيها هامسة
خفي خلاص.
لكن أحمد شعر أن تلك الجملة لم تكن راحة بل خوفًا خالصًا.
غادرت الشرطة بعد كتابة محضر مبدئي، فليس هناك آثار واضحة أو بلاغ رسمي من الأسرة. وما إن أغلق الباب حتى واجهته المديرة داخل غرفة المدرسين.
يا أستاذ أحمد، لازم تبقى حذر في الحاجات دي سمعة المدرسة مهمة.
نظر إليها غير مصدق.
والبنت؟!
لكن سهام التزمت الصمت.
في اليوم التالي طلب أحمد من التلاميذ أن يرسموا مكان يعرفونه جيدًا. رسمت ملك كرسيًا وحيدًا في منتصف الورقة وحوله بقع حمراء مرسومة بعنف.
شعر أحمد بأن الهواء اختفى من الفصل. اقترب منها بهدوء.
تحبي تقوليلي ده إيه؟
عضّت شفتيها الصغيرة دون كلام، لكنها رفعت نظرها نحوه لأول مرة.
أنا بحب طريقتك يا أبلة أحمد.
اضطر أن يدير وجهه حتى لا يرى أحد دموعه.
وفي نهاية الأسبوع، وقفت ملك متجمدة أمام باب المدرسة. كان هناك رجل طويل بملابس متسخة وذراعين مغطاتين ببقع الدهان ينتظرها بوجه قاسٍ.
يلا يا بت.
سأل أحمد بحذر
حضرتك
والدها؟
ضحك الرجل بسخرية.
جوز أمها وإنت مالك؟
أنا مدرسها، وهي قالت إنها تعبانة ومش قادرة تقعد.
اقترب الرجل خطوة حتى صار صوته مخيفًا.
إنت شغلتك تشرح الدروس وبس متدخلش نفسك في اللي ميخصكش.
ثم أمسك بذراع ملك بعنف وسحبها بعيدًا، بينما ظلت الطفلة صامتة تمامًا.
ظل أحمد يراقبهما وهما يبتعدان في الشارع الضيق وفي تلك اللحظة فهم أن صمت ملك يخفي شيئًا أكثر رعبًا مما تخيل.
ولم يكن يعرف أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ بعد
الجزء الثاني
في صباح السبت، لم يستطع أحمد إخراج صورة ملك من رأسه. صوتها المرتجف وهي تقول مش قادرة أقعد ظل يطارده طوال الليل، لذلك قرر أن يذهب بنفسه إلى العنوان المسجل في ملفها المدرسي.
كان المنزل في إحدى الحارات الضيقة بمنطقة إمبابة، جدرانه متشققة، والقمامة متراكمة بجوار الباب الحديدي الصدئ. طرق الباب مرتين، قبل أن يفتحه طفل نحيف لا يتجاوز العاشرة.
إنت يوسف؟ أخو ملك؟
هز الطفل رأسه بخوف.
هي مش هنا راحت السوق مع عادل.
ومامتك؟
نايمة.
نظر أحمد إلى الداخل. الصالة مظلمة رغم أن الوقت كان ظهرًا تقريبًا. لا ألعاب. لا كتب. لا شيء يدل على وجود أطفال يعيشون هنا.
انخفض أحمد قليلًا لمستوى يوسف.
إنت بطلت تروح المدرسة؟
هز كتفيه بلا مبالاة حزينة.
زمان كنت بروح دلوقتي بقعد أراقب البيت.
شعر أحمد بغصة حادة.
ولما ملك بتعيط بيحصل إيه؟
تجمد الطفل
للحظة، ثم خفض رأسه.
هو بيكره صوت العياط.
عادل؟
أومأ يوسف بسرعة.
ساعات يطلع الحزام ويقول إن الضرب بيعلّم.
شعر أحمد وكأن حجرًا سقط فوق صدره. كتب رقم هاتفه على ورقة صغيرة وأعطاها للطفل.
لو احتجت أي حاجة كلمني فورًا، فاهم؟
وفي صباح الاثنين، ذهب مباشرة إلى مكتب حماية الطفل ومعه رسمة الكرسي وملاحظاته وكل ما سمعه من يوسف.
استمعت الموظفة الاجتماعية بانتباه، ثم تنهدت بأسف.
فاهمة قلقك يا أستاذ أحمد لكن قانونيًا محتاجين دليل أقوى.
ضرب المكتب بكفه دون أن يشعر.
أقوى من إيه؟ طفلة عندها ست سنين مش قادرة تقعد وأخوها بيقول إن الراجل بيضربهم بالحزام!
خفضت المرأة عينيها.
من غير كشف طبي أو شهادة مباشرة الموضوع صعب.
خرج أحمد وهو يشعر بالعجز يلتهمه.
وفي نفس اليوم، تحدث مع الأخصائية النفسية في المدرسة، دكتورة ندى، واتفقا على توفير مساحة آمنة لملك دون ضغط أو ترهيب.
دخلت الطفلة المكتب بخطوات صغيرة مترددة.
هنا تقدري ترسمي أو تتكلمي براحتك يا ملك.
أمسكت بقلم أزرق وبدأت تخربش فوق الورقة بصمت طويل، قبل أن تهمس
لما عادل بيتعصب بيخليني أقف في الركن.
سألها أحمد بصوت هادئ
ولما يغضب أوي؟
قبضت على القلم بقوة.
بيزعق ويقول اسكتي وساعات يضربني بالحزام.
سألتها ندى بلطف
حتى لو معملتيش حاجة؟
رفعت ملك عينيها المتعبتين.
بيضربني حتى وأنا ساكتة.
ساد الصمت داخل الغرفة
كأنه شيء ثقيل يخنق الجميع.
وبعد تسجيل الجلسة وكتابة التقرير النفسي، أعادوا تقديم
تم نسخ الرابط