بعد 8 سنوات في السجن عاد لبيت جدته
يتكلم أبدًا. علمت الحقيقة لاحقًا لكنني لم أستطع إثباتها. قبل أن يموت جاءني إيلاريو مخمورًا وباكيًا واعترف بكل شيء. التسجيل في الصندوق المعدني. افعل به ما يمليه عليك ضميرك.
تجمد ميغيل.
بدا أن الغرفة تضيق حوله.
ذلك السر المدفون ثماني سنوات في صدر جدته انفجر أمامه كطلقة.
تذكر ليلة الحانة الضجيج، الكؤوس المكسورة، إيفاريستو وهو يهين جدته، إيلاريو فاقد السيطرة، الضربة الأولى، السقوط، الدم. كان قد تحمل الذنب كله لأنه كان معروفًا بالشجار، ولأن لإيلاريو زوجة وأطفالًا، ولأنه ظن أن الصمت تضحية. ثم جاء الخوف، والمحامون السيئون، والشهود المأجورون، والحكم.
ثماني سنوات.
ثماني سنوات ليحمي جبانًا.
فتح الصندوق المعدني. كان فيه جهاز تسجيل صغير ملفوف في منديل، وشهادة وفاة جدته، وبعض الإيصالات، ووثيقة رسمية مطوية. فتحها.
كانت طلب وصاية مؤقتة باسمه على الطفلة صوفيا كروز، موقعة من دونيا إسبيرانزا ومن محامٍ في البلدة. كان ينقصها التصديق النهائي بشرط أن يخرج من السجن ويقدّم نفسه خلال ستة أشهر.
كانت صوفيا تراقبه من الباب.
قالت
ماذا تقول؟
رفع ميغيل نظره. كانت الطفلة بوجه متسخ وقدمين حافيتين ونظرة متحفظة
مؤلمة.
ابتلع ريقه.
قال
تقول إن جدتي أرادت أن أعتني بك.
شدّت صوفيا دميتها بقوة.
لأنها أشفقَت عليّ؟
قال
لا لأنها كانت تثق بي.
خفضت الطفلة رأسها ثم همست
وأنت هل تثق بنفسك؟
كان السؤال أقسى من الرسالة.
نظر ميغيل إلى يديه الخشنتين، يدي رجل تشاجر، وحمل الأثقال، ونظف المراحيض في السجن، وكتب رسائل لم يتلقَّ ردًا عليها. قبل ثماني سنوات كان سيقول إنه لا يصلح لشيء. إن كل ما يلمسه يفسد.
لكن أمامه كان بيت جدته يتداعى، وطفلة تعيش وحدها بين الذكريات والتسربات، ووصية امرأة آمنت به حتى النهاية.
وقف.
قال بصراحة
لا أعرف إن كنت أثق بنفسي تمامًا لكنني أعرف شيئًا واحدًا لن أتركك وحدك.
نظرت إليه صوفيا كما لو أنها لا تفهم هذا النوع من الوعود.
قالت
حقًا؟
قال
حقًا.
في تلك اللحظة سُمع صوت محرك خارج البيت، ثم أصوات.
توتر ميغيل فورًا. اقترب من النافذة المكسورة ونظر إلى الفناء. كانت شاحنة
قديمة توقفت أمام المنزل. نزل منها امرأتان ورجل بدين بقميص مفتوح.
عرفه فورًا.
إيلاريو.
كان أكبر سنًا وأكثر انتفاخًا، لكنه هو.
اشتعل الدم في جسد
صعد إيلاريو إلى الشرفة دون استئذان.
قال ساخرًا
انظروا من عاد من بين الأموات السجين.
تراجعت صوفيا فورًا خلف ميغيل.
كانت إحدى المرأتين فيرونيكا. بدا ذلك واضحًا عينان مطفأتان، مكياج فاسد، يدان مرتجفتان. أما الأخرى فكانت جارة من القرية.
ثبت إيلاريو نظره على الطفلة.
قال
جئنا لنأخذها.
خرج ميغيل إلى الشرفة ببطء.
قال
لن تذهب إلى أي مكان.
ضحك إيلاريو.
ومن أنت لتقرر؟ صاحب البيت؟ أبو الطفلة؟
نظر إليه ميغيل بثبات.
قال
أنا الرجل الذي تركته يتعفن ثماني سنوات بسببك.
اختفت ابتسامة إيلاريو لحظة.
عبست فيرونيكا.
عمّ تتحدث؟
قال ميغيل
عن إيفاريستو. عن الزجاجة. عن
اعترافك لجدتي.
تقدم إيلاريو خطوة.
قال
اخفض صوتك.
قال ميغيل
لا.
وأخرج جهاز التسجيل من جيبه.
لقد سجلت كل شيء.
شحب وجه إيلاريو.
نظرت فيرونيكا إليه ثم إلى ميغيل.
أبي ماذا يقول؟
حاول إيلاريو الإمساك بقميص ميغيل، لكن هذا دفعه بقوة فاصطدم بعمود الشرفة.
قال ميغيل بصلابة
لا تلمسني مرة أخرى.
كانت صوفيا ترتجف خلفه.
بدأت فيرونيكا تتنفس بسرعة.
ماذا سجلت؟ قل لي!
قال ميغيل
الحقيقة. أنني تحملت الذنب لأحميه.
في تلك اللحظة سُمع صوت آخر من الفناء.
ما
كان دون تونيو ومعه رجلان من أهل القرية، وخلفهما دونيا مرسيدس.
قالت دونيا مرسيدس
الطفلة لن تذهب مع السكارى.
بكت فيرونيكا
أنا أمها.
قالت العجوز
الأمومة ليست ولادة ثم اختفاء.
شعر ميغيل أن اللحظة مفصلية. يمكنه أن ينفجر غضبًا أو يفعل ما طلبته
جدته.
قبض على جهاز التسجيل.
قال
لن يأخذها أحد اليوم. غدًا سأذهب إلى المحامي برنال وإلى السلطات. كل شيء سيكون قانونيًا. وإذا فتح إيلاريو فمه سأعيد فتح القضية.
ساد الصمت.
فهم إيلاريو.
ولأول مرة كان هو من يتراجع.
قال
هيا بنا.
غادرت الشاحنة.
صعدت دونيا مرسيدس إلى الشرفة ووضعت قدرًا على الطاولة.
قالت
أحضرت فاصولياء.
أومأ دون تونيو.
قال
كانت جدتك تقول إنك ستعود.
في تلك الليلة سدّ ميغيل الثقوب في السقف، وأكلا الفاصولياء مع خبز قاسٍ. جلست صوفيا قرب الكرسي الهزاز الفارغ.
سألته
هل ستنام هنا؟
قال
نعم.
وغدًا أيضًا؟
نظر إليها.
قال
وغدًا أيضًا.
وفي الليل جلس في كرسي جدته ممسكًا الرسالة. كان يظن أنه سيعود ليجد حضنًا لكنه وجد قبرًا وطفلة وسرًا.
لكن تحت الألم كان هناك شيء آخر.
هدف.
وفي الصباح سيذهب إلى
المحامي ثم يصلح البيت ويزرع الورود من جديد.
وأخيرًا فهم ميغيل المفاجأة التي كانت تنتظره عند عودته.
لم تكن موت جدته فقط.
بل أنها، حتى بعد رحيلها، ما زالت تنقذه.