ابو طليقي
ولادي هيبيعوه في يومين إنتِ الوحيدة اللي هتعرفي تحييه من تاني.
إيدي كانت بتترعش وأنا باخد المفتاح.
ماكنتش أعرف إن المفتاح ده هيفتح أكتر من مجرد بيت.
كان هيفتح حرب كاملة.
لم تكن ورشة النجارة القديمة والبيت الصغير القابع فوق تل منطقة منشأة القناطر مجرد جدران وأخشاب؛ كانت هذه الأملاك هي النواة الأولى التي بنى منها الحاج رفعت حياته، والمكان الذي شهد طفولة كريم وإخوته قبل أن تعميهم أموال الشركات والمظاهر الزائفة في الشيخ زايد.
بمجرد أن استقرت أصابعي على المفتاح النحاسي القديم المربوط بالشريط الأحمر الباهت، شعرت بثقل الأمانة. نظرت إلى عيني الحاج رفعت الممتلئتين بالدموع والرجاء، وعرفت أنني أصبحت حائط الصد الأخير لرجل مخلص خانه دمه.
لكن كريم لم يترك الأمور تمر بسلام.
في صباح يوم الخميس التالي، وبينما كنتُ أساعد الحاج
رفعت في تمشيط شعره الأبيض داخل حديقة دار السلام، تحطم هدوء المكان بصوت كوابح سيارة فخمة وقفت بعنف أمام البوابة. نزل منها كريم الدمنهوري، يرتدي بدلته الفخمة ونظارته الشمسية السوداء، وبجانبه زوجته الجديدة أوليفيا، الفتاة النرجسية زوجته، وتتحكم الآن في كل قراراته.
مشى كريم بخطوات سريعة وعصبية، وصوت حذائه يضرب بلاط الحديقة بقسوة، بينما كانت أوليفيا تلوي شفتيها باشمئزاز وتنظر إلى المسنين الجالسين في الأرجاء كأنهم حشرات.
كريم بصراخ وهو يقف أمامي مباشرة إنتِ جايبالك البجاحة دي منين يا كلارا؟ بتنزلي صور مع أبويا على فيسبوك وتلمحي للناس إني رامي أبويا في دار مسنين؟ الفضائح دي مأثرة على سمعة شركتي في السوق وأوليفيا مش قادرة ترفع عينها قدام صحابها في الكومباوند بسببك!
قمتُ وقفتُ بهدوء، وضعتُ مشط الشعر في حقيبتي، ونظرتُ في عينيه مباشرة دون أي خوف
كلارا ببرود أنا ملمحتش لحاجة يا كريم، إنت اللي رامي أبوك فعلاً. الراجل بقاله شهر هنا هدومه متبهدلة مياه، وضوافره طويلة، ومحدش كلف نفسه يجي يسأل عليه
أوليفيا تقدمت بدلال وقح وقالت وهي تشير بإصبعها نحوي اسمعي يا بتاعة أنتِ.. إحنا عرفنا إن الراجل العجوز ده كتبلك التنازل ومفتاح الورشة والبيت القديم اللي فوق التل! العقود دي باطلة قانوناً لأن والده مش في كامل قواه العقلية، وإحنا رافعين قضية حجر عليه من الصبح، والأملاك دي هترجع لكريم عشان نبيعها لشركة المقاولات اللي هتهد التل كله وتبني مكانها مول
تجاري!
الحاج رفعت انكمش على كرسيه المتحرك وبدأ يرتجف وهو ينظر لابنه بكسرة وذهول يا كريم.. بتعمل حجر على أبوك يا ابني؟ الورشة ده انا اللي علمتك وعملت منك راجل.. عايز تبيع تاريخي عشان ترضي الست دي؟
كريم لم ينظر لأبيه حتى، بل قال بجفاء العالم مبيرحمش يا بابا، والأرض دي تمنها دلوقتي يعمل ٤٠ مليون جنيه، وإحنا أولى بالفلوس دي من الغريبة دي!
نظرتُ إليهما بابتسامة ثقة وارتياح خلت كريم يتراجع خطوة للخلف بتوجس.
كلارا أعلى ما في خيلكم اركبوه يا كريم إنت وأوليفيا. ميعادنا في المحكمة يوم الاثنين الجاي في جلسة الحجر الطارئة.. وهناك هتعرفوا الغريبة دي هتعمل فيكم إيه.
في صباح يوم الاثنين..
قاعة محكمة الأسرة بالجيل كانت ممتلئة بالناس. جلس كريم وأوليفيا ومعهم محامٍ شهير يرتدي حلة فخمة ويحمل تقارير طبية مزورة تدعي أن الحاج رفعت يعاني من خرف الشيخوخة وفقدان الأهلية لتوقيع أي عقود.
عندما نادى القاضي على القضية، تقدمتُ أنا ومعي الأستاذ مراد، المحامي القانوني القديم للحاج رفعت وصديق عمره الذي استدعيته خصيصاً من الإسكندرية.
محامي كريم بابتسامة ثقة سيدي المستشار.. موكلي يطلب الحجر على والده لحمايته وحماية أملاكه من استغلال طليقة ابنه السابقة، ومعانا تقارير تثبت عدم أهليته العقلية.
القاضي نظر إلينا هل لدى الدفاع
أي رد؟
تقدم الأستاذ مراد وحط حافظة مستندات ضخمة ومختومة أمام
الأستاذ مراد بثبات سيادة المستشار.. إحنا بنقدم للمحكمة التقرير الطبي الشامل الصادر من لجنة ثلاثية مشكلة من وزارة الصحة والطب الشرعي بالقاهرة، والتقرير ده اتعمل تلات أيام كاملة داخل دار السن، ويثبت بالدليل القاطع أن الحاج رفعت في كامل قواه العقلية والنفسية، ولا يعاني من أي قصور ذهني.
وتابع مراد بصوت جهوري هز القاعة وليس هذا فقط.. إحنا بنقدم للمحكمة عقد بيع وشراء مسجل وموثق في الشهر العقاري يعود لتاريخ ٥ سنوات مضت.. أي أثناء فترة زواج كلارا من كريم وقبل الطلاق! الحاج رفعت باع الورشة والبيت الصغير ل كلارا بكامل إرادته وبمبلغ مدفوع ومثبت في البنك كهدية زواج لها وتأمين لمستقبلها لأنها كانت بتدير حسابات الورشة وتكبرها بتعبها! المفتاح النحاسي اللي الحاج رفعت سلمه لكلارا الأسبوع اللي فات.. هو مجرد التسليم الفعلي لأملاك هي صاحبتها الشرعية بقالها ٥ سنين قانوناً!
كريم وقف في القاعة بصدمة وجنون وهو يصرخ مش ممكن! أبويا باع لها الورشة من ٥ سنين؟ ده تزوير! أنا الوريث الوحيد!
خبط القاضي بالشاكوش بعنف هدوء في القاعة وإلا سأمر بحبسك بتهمة إهانة المحكمة!
أوليفيا بدأت تصوت وتشد في شعرها بغيظ بعد ما عرفت إن ال ٤٠ مليون جنيه ومخطط المول التجاري
طاروا في الهواء إنت مغفل يا كريم! عيشتني في وهم إنك غني وعندك أملاك وأنت طلعت م تملكش حتى ورشة أبوك القديمة!
القاضي نطق بالحكم فوراً حكمت المحكمة برفض دعوى الحجر لعدم التأسيس القانوني والطبي، وتثبيت ملكية السيدة كلارا للأملاك المذكورة بنص العقود المسجلة.
خرجتُ من قاعة المحكمة وراسي مرفوعة للسماء. كريم جرى ورايا وهو بيبكي بانهيار ويتوسل كلارا.. حبيبتي.. أرجوكي بلاش تخربي بيتي، أوليفيا ه تطلقني لو الصفقة دي باظت، والشركة بتاعتي مديونة للبنوك ب ١٥ مليون جنيه وكنت مستني بيع الأرض عشان أسدد الديون! أنا أسف.. أنا ضعت!
نظرتُ إليه باحتقار صافي وقُلت بهدوء إنت ضعت يوم ما
مرت ثلاثة أشهر على تلك الموقعة التاريخية في ماي ٢٠٢٦..
أوليفيا عملت قضية خلع لكريم بعد ما أعلن إفلاسه وتم الحجز على شركته وعربيته الفخمة لتسديد ديون البنوك، واضطر كريم يشتغل عامل بسيط في إحدى الورش الصغيرة في ضواحي القاهرة، منبوذاً ومحطماً وملاحقاً بأحكام الحبس.
أما في البيت الصغير
اللي فوق التل..
الشمس كانت دافية وجميلة تملأ المكان، وريحة الخشب والنشارة والقهوة رجعت تملأ الورشة القديمة اللي رجعت تشتغل بأحدث المعدات وتحت إشرافي المالي. الحاج رفعت كان قاعد على كرسيه المتحرك في جنينة البيت، وشه رجع له اللون الوردي وصحته بقت بمبي، ولابس هدوم نضيفة وغالية ومبتسم من كل قلبه وهو بيبص للعمال وهما شغالين.
كنتُ واقفة جنبه بعمل له كوباية الشاي بتاعته، وقربت منه وحطيت إيدي على كتفه
كلارا بابتسامة مليانة دموع فرحة شايف يا عمو رفعت؟ الورشة رجعت تفتح من تاني والتل كله بقى منور بوجودك وسطنا.
الحاج رفعت مسك إيدي وقبلها برقة وأبوة حقيقية
الحاج رفعت عارف يا كلارا يا بنتي؟ ورقة الطلاق فعلاً ما تمسحش الأصل. ابن دم خاني ورماني، وبنت الأصول اللي ملهاش صلة دم بيا، بقت هي الحصن والسند اللي رجع لي كرامتي وروحي في عز عاصفة السنين.. ربنا يخليكي ليا يا بنتي.
لمعت الدموع في عيني وحسيت برضا وعوض كبير من ربنا سبحانه وتعالى.
اتعلمت كلارا إن الأصل الطيب مابيموتش، وإن البنت اللي بتصون الجميل وبتحمي الشيخوخة والضعف، ربنا بيسخر لها الأرض ومن عليها عشان يجبروا خاطرها ويرفعوا مقامها فوق السحاب. وسبنا كريم يشبعوا بكسرتهم وفقرهم، وعشنا إحنا فوق التل بالحق والرحمة والنور والكرامة
تمت.