الـتنازل الإجـباري كـاملة

لمحة نيوز

المطبخ. قعدت على كرسي جمب الشباك، وضمت ركبها لصدرها. من ورا الإزاز، كانت أنوار قاهرة أكتوبر الهادية بتنور وتطفي من بعيد. هناك.. في الحي الجديد، كانت شقتهم المستقبلية بتناديهم، 150 متر وبتطل على جنينة واسعة. بكرة الصبح المفروض يروحوا البنك يوقعوا العقود النهائية.
افتكرت فجأة شقتها القديمة اللي باعتها.. مطبخها الصغير الدافي، وقصيّة زرع الجرانيوم الخبيزة اللي كانت على حرف الشباكالزرعة دي كانت بتاعة جدتها الله يرحمها. افتكرت خشب الأرضية اللي بيزيق وحفظت نغمته، شكل الشارع القديم
والعيال وهي بتلعب تحت البيت في المغربية. افتكرت يوم ما قفلت باب الشقة دي لآخر مرة وهي بتسلمها للمشتري.. يومها طبطبت على الحيطة وهمست للأوض الفاضية سامحيني.. أنا بعتك عشان حلم البيت الكبير اللي هيجمع عيلتي.
والنهاردة بتكتشف إن البيت الكبير مش هيكون بيتها! هي دافعة 2 مليون جنيهكل ما تملك في الدنيا. وهتقعد عشرين سنة تدفع نص مرتبها للبنك.. وهي اللي اختارت ألوان الدهانات، ورسمت المطبخ خشب وماربل، وحلمت بأوضة الأطفال اللي شباكها كبير وبيجري فيه الشمس.
كل ده هيتكتب باسم أحمد.. وهي مجرد شريك ضامن؛ يدفع بس، ومن غير أي حق في الحيطة اللي بتسند عليها.
كان الدوسيه اللي فيه ورق بكرة
محطوط على الترابيزة. رانيا فتحته بإيد بتترعش وقرت السطر ده تاني المشتري أحمد سيد أحمد عبد العال.. هو وبس.
دمعة نزلت من عينها ولمست الورق. بره، كانت خيوط الفجر الأولى بتطلع وتلون عمارات أكتوبر الرمادية بلون
وردي دافي. كان باقي ساعات قليلة على ميعاد البنك.. ساعات قليلة عشان تاخد القرار الأخطر في حياتها توقع ولا ترفض?
الصبح طلع، والشمس كانت مالية المكان. رانيا منمتش دقيقة واحدة، بس حست بصفاء ذهني غريب وقوة مش عارفاها. جهزت الفطار، واستنت أحمد لما صحي، وقعدت قصاده على الترابيزة وبصت في عينه
يا إما الشقة تتكتب باسمنا احنا الاتنين بالنص، خمسين خمسين.. يا إما أنا مش هروح البنك
النهاردة ومش هإمضي على حاجة.
أحمد شرق بالقهوة وبص لها بذهول
رانيا! إنتِ بتقولي إيه؟ ميعاد البنك كمان تلات ساعات!.
ردت بثبات عارفة.. ومش هتحرك من مكاني لو الشروط دي متعدلتش.
في اللحظة دي رن جرس الإنتركم.. كانت حماتها ميرفت وصلت تحت عشان يروحوا البنك سوا بالمرة.
يعني إيه مش هتروحي؟!.. حماتها دخلت الشقة باندفاع ومن غير حتى ما تقلع جزمتها، وبصت لابنها بزعيق أحمد! إيه الهبل اللي مراتك بتقوله ده؟!.
رانيا وقفت وردت بكل هدوء أنا بطلب حقي يا مدام ميرفت.. الشقة لازم تتكتب باسمنا احنا الاتنين، أنا دافعة أكتر من نص تمنها من شقة عمري.
إنتِ بتخربي كل حاجة ليلة الفرح! صوت الحما عِلي وبقى صړيخ عشان دلعك وعنادك هنخسر جدية الحجز والمطور مش هيستنانا والشقة هتروح!.
ده مش دلع، رانيا صلب طولها أنا مش هسمح لأي حد يستغلني.
أحمد بدأ يتهز وبص لأمه يا أمي.. يمكن هي عندها حق فعلاً، دي حاطة فلوسها كلها...
اسكت إنت! زعقت ميرفت بحسم، ولفت لرانيا وعينها بتطلع شرار هتمضي ولا لأ؟.
رانيا بصت لها وقالت
لأ.. بالشروط
دي، لأ..
بعد ساعة، كانوا قاعدين في مكتب مدير فرع البنك. الموظف كان بيقلب في الورق بقلق وتوتر واضح
يا جماعة، تعديل هيكل الملكية دلوقتي وصيغة عقد التمويل العقاري صعب جداً.. ده معناه إننا هنلغي الطلب ونعيد الإجراءات والدراسة الائتمانية من الأول وجديد... حكايات مني السيد 
رانيا قطعت كلامه وقالت بقوة أنا برفض تماماً أكون ضامن أو شريك في القرض من غير ما أكون مالك للنص. وفلوس شقتي اللي اتباعت لسه في حساب الوساطة بتاعكم.. يا تعدلوا العقود، يا ترجعوا لي فلوسي فوراً.
رانيا، عشان خاطري بلاش فضايح.. أحمد كان بيبص لها برجا وضعف.
رانيا بصت له في عينه وقالت الكلمة الأخيرة اختار يا أحمد.. يا إما تمشي بالعدل والأصول in بيتك، يا إما تسمع كلام مامتك وتتحمل النتيجة.
ميرفت كانت بتغلي من الڠضب، بس سكتت لما لقت رانيا مابتتهزش. المكتب كله غرق في صمت رهيب.. صمت كان بيعلن نهاية كل حاجة.
بعد تلات شهور..
كانت رانيا قاعدة في مطبخ شقة إيجار صغيرة في
وسط البلد. مطبخ يدوب اتنين متر، تلاجة قديمة بتزن، والشباك بيطل على منور العمارة اللي جمبهم.
على الترابيزةكان اللاب توب مفتوح على مواقع التوظيف، وجنبه كوباية نسكافيه. حكايات مني السيد 
البيعة باظت في البنك يومها.. وأحمد اختار أمه.
قالها وهو ماشي احنا هنصرف.. ومن غير فلوسك. أمي هتتصرف لي في مقدم تاني. 
ردت عليه رانيا وهي بتعدل شنطتها وريني هتعملها إزاي.. وسابت البنك ومشيت.
فلوس شقتها رجعت لحسابها بعد أسبوع، وبعدها
بأسبوع كمان كانت لمت حاجتها وعزلت.
أحمد اټهجم عليها وهو بيودعها وقالها بغل إنتِ أنانية.. عشان برستيجك وعنادك ضيعتي مننا شقة العمر.. أمي كان عندها
حق، إنتِ متنفعيش تكوني ليكي عيلة ولا بتفهمي في الأصول.
ردت عليه رانيا وهي بتقفل باب الشقة وراها أنا متنفعش أكون في عيلة بتتعامل معايا على إني مكنة ATM بنسحب منها وقت اللزوم.
دلوقتي هي مأجرة الشقة دي في منطقة هادية.. العفش بسيط سابوه السكان اللي قبلها، والدهان قديم، والخشب بيزيق.. بس
على الترابيزة كان محطوط عقد الإيجار وفيه اسمها هي.. رانيا رأفت.. لوحدها، بالخط العريض.
تليفونها نور.. رسالة من سمسار عقارات
باشمهندسة رانيا، لقيت لك لقطة. شقة تمليك أوضتين وصالة في مصر الجديدة، مكان ممتاز.. محتاجة توضيب بسيط بس سعرها لقطة وجوة الميزانية بتاعتك بالمليم.. نشوفها بكرة؟.
رانيا ابتسمت وكتبت له تمام.. بكرة الساعة 5 نتقابل.
أخدت بق من النسكافيه وبصت بره الشباك. ال 2 مليون جنيه لسه في حسابها في البنك.. هما أمانها هما حريتها. الفلوس دي تشتري لها شقة صغيرة تمليك من غير ما تمضي على وصل أمانة واحد أو شيك لبنك.. شقة بتاعتها هي وبس.. بجد.
في ركن المطبخ، على حافة الشباك، كانت قصيّة زرع الجرانيوم بتاعة جدتها محطوطة.. الحاجة الوحيدة اللي أصرت تاخدها معاها من بيتها القديم. الزرعة اللي استحملت النقل والعزيل مرتين، كانت مطلعة النهاردة زهور حمراء صغيرة بتفتح للدنيا.
همست رانيا للزرعة وهي بتمسح على ورقها الأخضر خلاص يا حبيبتي.
. قربنا ننقل لبيتنا.. بيتنا احنا وبس.
النهاية

تم نسخ الرابط