وافقت علي الزواج من رجل ارمل

لمحة نيوز

إن كنت سأعود إلى الجبهة. لا أعرف إن كنت سأمتطي الخيل كما كنت. لا أعرف إن كان أطفالي سيسامحونني.
نظر إليّ.
لكنني لا أريد أن أعود الرجل الذي تركك وحدك مع الجوع.
قلت
الرجال يعدون كثيرًا حين يعودون مجروحين.
إذًا لا تصدقيني بالكلام.
أخرج ورقة أخرى.
قبل أن آتي، مررت بمركز المدينة. وضعت البيت والأرض باسمك أيضًا.
تجمدت.
ماذا فعلت؟
ما كان يجب أن أفعله قبل أن أرحل. إن متّ، لا أحد يطردك. لا أمي. ولا مُقرض. ولا أهل القرية.
شعرت أن الأرض تحركت تحتي.
لا أحتاج أن تدفع لي.
قال
هذا ليس دفعًا.
إذًا ما هو؟
ابتلع
ريقه.
احترام.
دخلت الكلمة صدري بألم ناعم.
احترام.
لا صدقة.
لا شفقة.
لا جوع.
احترام.
في صباح اليوم التالي، عرفت القرية كلها قبل أن يصيح الديك.
خرجت الحاجة أمينة إلى الناس تقول إنني سحرت ابنها. وقال الحاج لؤي إن غسان عاد مختلًا من الحرب. والنساء اللواتي كن يسمينني المشتراة صرن ينظرن إليّ كأنني أخفي سكينًا.
لكن غسان ذهب معي إلى السوق.
يعرج.
وسليم إلى جانبه.
وليان بين ذراعيه.
اشترى الطحين، والفلفل، والصابون، وقماشًا لخياطة القمصان، وشريطًا أحمر للصغيرة.
ثم أمام الحاج محمود ونصف القرية، وضع النقود فوق الطاولة.
دين زوجتي.
رفع الحاج محمود حاجبيه.
يا غسان، أنا لم
قال غسان
كله.
أخرج الرجل دفتره.
ولم يبعد غسان يده عن ظهري.
ليس كمالك.
بل كدرع.
بعد ذلك ذهبنا إلى دار العبادة.
استقبلنا الشيخ بنظرة مندهشة.
ظننت أنك تحتاج إلى الراحة.
نظر غسان إلى المكان وقال
أحتاج إلى الحقيقة.
لم يكن زواجًا جديدًا.
كنا
متزوجين بالفعل.
لكن غسان طلب أن يجدد عهده أمام أطفاله، دون زينة ولا موسيقى ولا ناس. نحن فقط، والشيخ، وشمعتان، ورائحة بخور قديمة.
قال غسان بصوت خشن
في المرة الأولى عرضت عليها سقفًا. اليوم أعرض عليها اسمًا واحترامًا ومكانًا. إن أرادت أن تقبل.
نظر إليّ الجميع.
نظرت إلى الأطفال.
كانت عينا سليم رطبتين. وكانت ريم تبتسم بخفة. والتوأم يتدافعان
ليريا جيدًا. وروز تمسك بيد آدم. وليان تضم دميتها ذات العين الواحدة إلى صدرها.
ثم نظرت إلى غسان.
لم أكن أحبه كما في القصص.
ليس بعد.
لكنني رأيت خجله.
والرجل الذي يستطيع أن ينظر إلى خجله دون أن يلوم امرأة، ربما يستحق فرصة.
قلت
أقبل أن أبقى لكن ليس كخادمة.
خفض غسان رأسه.
أبدًا.
قلت
وإن رحلت مرة أخرى دون أن تترك الحقيقة، فسأغلق الباب بنفسي.
ابتسم سليم.
وكتم الشيخ ضحكة.
يبدو عهدًا واضحًا جدًا.
عاد بنا الظهر إلى البيت.
لم يتغير كل شيء دفعة واحدة.
كانت الحرب ما تزال بعيدة وقريبة، كالرعد خلف النخيل. أحيانًا يمر جنود يطلبون الماء. وأحيانًا تصل أخبار عن طرق مقطوعة، وقرى منهكة، ونساء يتبعن القوافل بأطفالهن وحصرهن وقدورهن وشجاعة تفوق شجاعة كثير من الرجال.
لكن بيتنا لم يعد جرحًا مفتوحًا.
تعلم غسان أن يجلس في المطبخ دون أن يأمر.
وتعلم أن ريم تعرف العجين أفضل مما يعرف هو أي أمر عسكري.
وتعلم أن سليم لم يكن متمردًا، بل متعبًا.
وتعلم أن ليان لا تنام إلا إذا سمعَت القصة نفسها مرتين.
وتعلمت أنا أن العودة ليست دائمًا تهديدًا.
أحيانًا تكون إصلاحًا.
بعد أشهر، حين علت الزروع
واخضرت الأرض، عادت الحاجة أمينة.
كان سوادها أقدم، وكبرياؤها أضعف.
وقفت عند الباب.
لم يركض أحد ليعانقها.
ولم نطردها.
خرج غسان أولًا.
إن جئتِ لتأمري، فلا تدخلي.
شدّت على
مسبحتها.
جئت لأرى أحفادي.
الأحفاد يُرون باحترام.
خفضت الحاجة أمينة عينيها.
ثم نظرت إليّ.
تأخرت طويلًا قبل أن تتكلم.
إيناس.
كانت تلك أول مرة تقول اسمي بلا سم.
لم يكن اعتذارًا.
لكنه كان شرخًا في الجدار.
فتحت الباب.
يمكنك الدخول لتأكلي. لدينا مرق وخبز طازج. إن رفعتِ صوتك، تخرجين.
اختنق سليم بالضحك داخل البيت.
ونظر إليّ غسان كأنني ربحت معركة بلا سلاح.
ربما فعلت.
في ذلك اليوم أكلنا جميعًا على المائدة الطويلة التي أصلحها سليم بألواح جديدة. وضعت ليان زهورًا برية في كأس. وقدمت ريم الصلصة. وتشاجر التوأم على آخر قطعة خبز.
نظرت الحاجة أمينة إلى البيت.
السقف ثابت.
الأسرّة نظيفة.
الصورة مضاءة.
الأطفال يتكلمون ويضحكون ويعيشون.
ثم نظرت إلى يديّ المحروقتين من الفرن والعمل.
لم تقل شكرًا.
لكنها لم تنادني جائعة مرة أخرى.
مع الوقت، عاد غسان يركب الخيل، وإن كانت ساقه تؤلمه كلما تغير الطقس. لم يعد إلى الجبهة. قال إنه حارب من أجل الوطن، والآن عليه أن يحارب من أجل بيته. زرع معي. تعلم أن يرقع الثياب بشكل سيئ، وأن يستمع بشكل أفضل.
وفي ليلة باردة، وضعنا الطعام والشمعة قرب صورة مريم.
وضعت صورة مريم في الوسط.
وكأس ماء.
وخبزًا.
وزهورًا.
ودمية ليان، التي بقيت بعين واحدة.
ووضع غسان شمعة أخرى للرجال الذين لم يعودوا.
أما أنا، فوضعت شمعة للفتاة التي
كنتها، تلك التي قبلت الزواج بسبب الجوع وظنت أن ذلك يجعلها قليلة القيمة.
شدّت ليان طرف عباءتي.
أمي إيناس، هل يعود الموتى
إذا تركنا لهم طريقًا؟
نظرت إلى غسان.
ونظر إليّ بعينين لم يعد فيهما ذنب فقط.
قلت
يعودون إذا بقي هناك حب يتذكرهم.
فكرت ليان قليلًا.
إذًا أمي مريم تعود، لكنها لا تغضب لأنك هنا.
شعرت أن الهواء نقص من حولي.
ركع غسان بجانبها.
لا يا صغيرتي. أظن أنها تشكر إيناس لأنها وجدتنا.
ابتسمت الطفلة راضية، وعادت لترتيب الزهور.
ومن عند الباب،
همس سليم
وجدَتنا حين لم نكن نحن نعرف أين نحن.
لم يجب أحد.
لأن ذلك كان صحيحًا.
في تلك الليلة، بعد أن نام الأطفال، بقينا أنا وغسان في الفناء. كان الهواء يمر بين الأشجار. وكان البيت تفوح منه رائحة البخور والخبز والحطب.
أمسك غسان يدي.
ليس كما فعل يوم الزواج، حين كنا غريبين يوقعان على حاجة.
هذه المرة أمسكها ببطء.
كمن يسأل.
كمن
يعرف أن اليد لا تُؤخذ قهرًا.
قال
إيناس لا أعرف إن كان قلبي ما يزال كاملًا.
نظرت إلى يدينا.
يداه تحملان ندوب الحرب.
ويداي تحملان ندوب العمل والنار والماء.
قلت
لا أحد في هذا البيت يملك قلبًا كاملًا لكنه ينبض.
ابتسم غسان.
وفي ذلك الصمت
فهمت أنني لم أصل إلى هذا البيت كي لا أموت من الجوع فقط.
كنت قد وصلت إلى بيت مكسور.
وسبعة أطفال
مكسورين.
ورجل مكسور.
ومن غير أن أدري، وأنا أرممهم واحدًا واحدًا
كنت أرمم نفسي أيضًا.
فتح غسان الباب تلك الليلة وهو يتوقع أن يجد ذنبًا.
لكنه وجد خبزًا دافئًا، وأطفالًا أحياء، وامرأة لم تعد تعرف كيف ترحل.

وما غيّر روحه لم يكن رؤيتي بالمئزر.
ولا السقف الذي تم إصلاحه.
ولا البيت النظيف.
بل أنه فهم أن الحب عاش في ذلك البيت عامًا كاملًا
دون أن يطلب الإذن.
وكان يحمل اسمي.

تم نسخ الرابط