حلم الأبوة المفقود

لمحة نيوز

 وإن النهاية السعيدة خلاص استقرت في بيت المنشاوي. الصور اللي اتنشرت في المجلات والمواقع كانت مثالية رجل الأعمال الشهير شايل بنته الصغيرة، وفريدة واقفة جنبه بفستان أبيض بسيط وعينيها فيها لمعة رجعت بعد سنين وجع. لكن محدش كان يعرف إن بعض الجروح مش بتختفي بسهولة، وإن القلوب حتى لما تسامح بتفضل خايفة.
أول شهرين بعد الولادة كانوا أشبه بحلم مرتبك. البيت اللي كان طول عمره ساكت بقى مليان أصوات رضاعة وعيّاط وضحك وخطوات ممرضات. إسكندر كان بيصحى مفزوع على أي صوت طفل، يجري حافي من أوضته، يشيل واحد ويهدهد التاني ويبص للتالت وكأنه خايف يختفي من قدامه لو غمض عينه ثانية.
فريدة كانت تراقبه من بعيد أحيانًا وتبتسم وأحيانًا تسرح في صمت طويل.
لأن جواها كان لسه فيه خوف.
الخوف مش من إنه يسيبها لا.
الخوف من إنها تصدق إنه بقى فعلًا مختلف، وبعدين ترجع
تتوجع لو الزمن قلب تاني.
وفي ليلة شتوية هادية، كانت الساعة قربت على اتنين بعد منتصف الليل، والبيت كله نايم، إلا فريدة.
كانت قاعدة على الكنبة في أوضة الأطفال، شايلة البنت الصغيرة ليلى، وبتبصلها وهي نايمة على صدرها. فجأة حسّت بإيد اتحطت على كتفها برفق.
إسكندر.
كان واقف ووشه مرهق من السهر، لكن عينيه مليانة خوف.
همس إنتِ لسه مانمتيش؟
فريدة ابتسمت ابتسامة خفيفة بصراحة بقيت أخاف أنام.
عقد حواجبه تخافي من إيه؟
بصت له للحظة طويلة قبل ما تقول أخاف أصحى ألاقي كل ده حلم.
الكلمة نزلت عليه كأنها

طعنة.
قرب منها ببطء وقعد على الأرض قدامها، وسند راسه على ركبتها وهو يقول بصوت مكسور أنا السبب إنك بقيتي تخافي حتى من الفرح.
سكتت.
وهو كمل عارفة أنا كل يوم بصحى حاسس بإيه؟ حاسس إن ربنا اداني فرصة مستحقتهاش وخايف ياخدها مني.
فريدة نزلت عينيها على وشه، ولأول مرة شافت قد إيه الراجل القوي ده بقى هش.
ومن يومها، علاقتهم بدأت تتغير فعلًا مش بالكلام، لكن بالتفاصيل الصغيرة.
إسكندر بطل يسافر بالشهور. نقل أغلب شغله للقاهرة. بقى يرفض اجتماعات مهمة عشان يحضر تطعيمات الأطفال. ولما ابنه آدم جاله حرارة أول مرة، إسكندر دخل المستشفى بيزعق في الدكاترة ووشه أصفر من الرعب كأنه طفل صغير.
الدكتور ضحك يومها وقال يا أستاذ إسكندر ده دور برد عادي.
لكن إسكندر كان حاسس إن قلبه هيقف.
لأن العيال التلاتة بقوا نقطة ضعفه الحقيقية.
خصوصًا ليلى.
ليلى كانت أضعف التلاتة صحيًا، واتولدت بوزن قليل جدًا. كانت بتتعب بسرعة، وتدخل حضّانة أكتر من مرة. وكل مرة كانت فريدة تنهار من الخوف، وإسكندر يبقى جنبها ماسكها بإيده كأنه بيسند نفسه بيها.
وفي مرة، بعد ما خرجوا من المستشفى على الفجر، فريدة بصت له وهي مرهقة وقالت لو رجع بيا الزمن كنت هعمل نفس الحاجة.
إسكندر فهم تقصد إيه.
تقصد إنها كانت هتتمسك بالأطفال حتى لو حياتها في خطر.
دموعه نزلت فورًا.
وقال ولو رجع بيا الزمن كنت هشيلك فوق راسي من أول يوم بدل ما أسيبك لوحدك.
لكن الحياة عمرها ما بتدي حد راحة كاملة.
بعد
حوالي سنة من الولادة، بدأت فريدة تتعب بشكل غريب.
دوخة مستمرة، إرهاق، وآلام حادة كانت بتحاول تخبيها.
في الأول قالت ده تعب طبيعي من الأطفال، لكن إسكندر لاحظ إنها بقت تسكت كتير، تسرح، وتنام وهي قاعدة.
وفي يوم، كانت بتحضر رضاعة ياسين، وفجأة الكوباية وقعت من إيدها وجسمها كله مال على الأرض.
إسكندر حس وقتها إن الدنيا رجعت تسحب منه كل حاجة.
جرى عليها وشالها وهو بيصرخ باسمها بطريقة أفزعت البيت كله.
رجعوا المستشفى
نفس الممرات نفس الريحة نفس الرعب القديم.
ولما الدكتور طلب يقابل إسكندر لوحده، قلبه وقع.
قاله إن الحمل الصعب والنزيف اللي حصل وقت الولادة أثروا على جسم فريدة بشكل كبير، وإن قلبها بقى أضعف من الأول، ولازم ترتاح تمامًا وإلا أي ضغط زيادة ممكن يعمل مضاعفات خطيرة.
إسكندر خرج من المكتب ووشه أبيض.
ولأول مرة، حس إنه عاجز.
دخل أوضتها، لقاها مبتسمة رغم التعب.
قالت بهدوء مالك؟
قعد جنبها ومسك إيدها بقوة أنا تعبت من خوفي عليكي.
فريدة ضحكت بخفة أنا لسه هنا أهو.
لكن إسكندر هز راسه بعنف لأ إنتِ ماتعرفيش أنا كل مرة بخاف أفقدك إزاي أنا مستحملتش فكرة إني كنت هضيعك بإيدي مرة.
الكلام خرج منه وهو بيعيط.
فريدة اتأملته طويلًا وبعدين قربت إيدها من وشه ومسحت دموعه.
وقالت إسكندر إحنا الاتنين اتوجعنا. بس ربنا نجانا عشان نعيش مش عشان نفضل خايفين.
الجملة دي علقت في قلبه.
ومن بعدها، بدأ يغيّر حياته أكتر وأكتر.
فوّض جزء كبير من شغله، وقضى أغلب
وقته في البيت. بقى يعمل الفطار بنفسه، ويلبس العيال، ويقعد بالساعات يلعب معاهم على الأرض. العمال والخدم في البيت كانوا يبصوا لبعض باستغراب من الراجل اللي زمان كان صوته يهز شركة كاملة،
ودلوقتي قاعد يبني برج بالمكعبات مع عياله ويضحك من قلبه.
وفي يوم، فريدة نزلت لقت الحديقة كلها متزينة بأنوار صغيرة.
استغربت.
خرج إسكندر من وسط الجنينه شايل ليلى، وآدم متعلق في رجله، وياسين بيجري وراه، وقال فاكرة أول حلم قولتيه بعد الجواز؟
ابتسمت وسط دموعها البيت اللي فيه عيال بيجروا حفايه على النجيلة؟
إسكندر بص حواليه وقال أهو الحلم جه متأخر، بس جه.
فريدة وقتها ماقدرتش تتمالك نفسها.
انهارت في العياط.
مش عياط حزن
عياط واحدة قلبها أخيرًا صدّق إنه ارتاح.
وفي نفس الليلة، بعد ما الأطفال ناموا، وقفت فريدة في البلكونة تبص للقاهرة وهي هادية بشكل نادر.
إسكندر خرج وقف جنبها.
قالت فجأة عارف أكتر حاجة كانت بتكسرني زمان؟
بصلها باهتمام.
همست إني كنت حاسة إني ناقصة وإني مهما عملت مش هكفيك.
إسكندر لفّها ناحيته بسرعة وقال بحزم إوعى تقولي كده تاني. إنتِ عمرك ما كنتِ ناقصة أنا اللي كنت أعمى.
وسكت ثانية قبل ما يضيف بصوت مخنوق إنتِ الست الوحيدة اللي حبتني وأنا مستاهلش.
فريدة حطت راسها على صدره.
ولأول مرة من سنين طويلة حس الاتنين إنهم فعلًا رجعوا لبعض.
مش زي زمان.
أعمق.
أنضج.
وأقوى.
وفي أوضة الأطفال،
كان التلاتة نايمين جنب بعض بسلام غير مدركين إن وجودهم
ماكانش بس رزق لطفلين اتمنوا الخلفة.
كان نجاة لعيلة كاملة كانت على حافة الانهيار.

تم نسخ الرابط