بنتى عملت أكلت لوالدتى

لمحة نيوز

نفس طويل، ورفع راسه أخيراً وقال بصوت مرتعش يا رانيا، أنا مكانش قصدي أكسر بخاطرها. أنا لما كتبت الرسالة، كنت فاكر إن هنا عملت حاجة بسيطة، مكنتش أعرف إنها قلبت البيت مطعم كدا.. ولما أصحابنا أصروا يعزمونا في مكان هادي بمناسبة ال 70 بتاعت والدتك، قولت نغير جو ونخفف عنكم عبء المواعين والتنظيف بعد الأكل. أنا حسبتها غلط.. ومفكرتش في مشاعر البنت.
أمي قاطعت كلامه وقالت بعصبية ممزوجة بدموع مكابرة ماشي، غلطنا ومفكرناش! بس هل الصح إنك تفضحينا على الفيسبوك؟ الجروب فيه أكتر من ميت ألف بني آدم من منطقتنا وجيراننا وأصحابنا! الناس بدأت تفهم إننا طردناكم أو رمينا أكلكم! شكلي إيه أنا دلوقتي قدام الناس وأنا بحتفل بعيد ميلادي، والناس بتقول عليا سبت أكل حفيدتي ورحت
أتعشى برة؟
إنتي كل اللي هامك شكلك قدام الناس؟ صوتي علي غصب عني. مش هامك شكل حفيدتك وهي واقفة قدام سفرة تكفي 23 بني آدم، مجهزة بحب وشغف، وفجأة تلاقي كل ده ملوش قيمة؟ أنا مفكرتش في فضحكم يا ماما. أنا لما لقيت بنتي بتنهار، وقلبها مكسور، سألت نفسي الأكل
ده هيروح فين؟ هنا كانت عاملة الأكل ده عشان تشوف فرحة في عيون الناس.. ولما إنتوا حرمتوها من الفرحة دي، أنا دورت لها عليها في مكان تاني. في عيون الغلابة، والمحتاجين، والأمهات اللي مش قادرين يأكلوا ولادهم وجبة نظيفة ومحترمة.
في اللحظة دي، هنا اتحركت من مكانها. مشيت براحة لحد ما وقفت جنبنا. بصت لجدها وجدتها، ومسحت دمعتها بكف إيدها. وبكل نضج ووداعة قالت
يا تيتة.. أنا مش زعلانة عشان رحتوا المطعم. أنا زعلت عشان حسيت إني مليش مكان معاكم. حسيت إن تعبي وحبي مكنش ليهم قيمة لدرجة إنكم تلغوا كل حاجة برسالة على الموبايل. بس أنا عايزة أقولك حاجة.. أنا عمري ما هنسى ليلة امبارح.
أمي وأبويا بصوا لها باستغراب. هنا كملت وابتسامة رقيقة ودافية بدأت تترسم على وشها
امبارح، لما الباب خبط ودخلت طنط هدى، الست الطيبة اللي ساكنة في آخر الشارع ومبتخرجش
بسبب تعب رجليها، ودقت الأكل ودعت لي من قلبها وقالت لي تسلم إيدك يا بنتي بقالي سنين مكلتش لقمة بنفس حامية كدا.. ولما جه عم محمد البواب وأخد وجبات لولاده الأربعة وكان طاير
من الفرحة.. ولما شفت الضحكة في عيون الأطفال الصغيرين وهم بياكلوا البسبوسة والكنافة.. أنا حسيت إن ربنا أراد إن تعبي يروح للناس اللي بجد محتاجينه ومقدرينه. أنا كنت عاملة الأكل عشان أفرحك إنتي يا تيتة، بس ربنا خلى الأكل ده يفرح 23 بيت مش 23 فرد بس.
كلام هنا نزل على أمي وأبويا زي المية الباردة اللي طفت نار العصبية والبرستيج الكداب. أمي قعدت على أقرب كرسي، وحطت إيديها على وشها وبدأت تعيط بجد، مش عشان شكلها قدام الناس، المرة دي عشان حست بحجم الغلطة اللي عملتها في حق البنت.
أبويا قرب من هنا، وطبطب على كتفها، وعينيه كانت مليانة دموع سامحيني يا بنتي.. أنا اللي صممت على المطعم وأقنعت جدتك. إحنا كبرنا في السن ودماغنا نشفت وبقينا نحسبها بالمظاهر والراحة، ونسينا إن القيمة الحقيقية هي اللمة والحب اللي بتعمليه بفرشة إيديكي. إنتي أحسن مننا بكتير يا هنا، وجميلك ده فوق راسنا.
أمي رفعت راسها وبصت لهنا وقالت أنا أسفة يا حبيبتي.
. أنا جيت هنا وأنا عمياني الغضب من كلام الناس، ومفكرتش في قلبك النظيف ده. البوست
بتاع مامتك منقذش الأكل وبس، ده أنقذنا إحنا كمان من أننا نعيش في أنانية.
الخناقة والصوت العالي اللي بدأ بزلزال بيرج البيت، اتقلب لجلسة صلح ومكاشفة كنا محتاجينها من سنين. أبويا طلع محفظته وبص لهنا وقال بابتسامة طب إيه؟ أنا سمعت إن البسبوسة بتاعتك امبارح متبقاش منها ولا حتة، والناس في المنطقة قالبين الدنيا عليها.. مفيش أمل تعوضي جدك بحتة تانية انهارده؟ وإحنا اللي هنغسل المواعين وننظف المطبخ مكانك!
هنا ضحكت من قلبها، الضحكة اللي كنت مستدياها من امبارح، وبصتلي وهي بتقول خلاص يا جدو، المسامح كريم.. بس بشرط، المرة دي مفيش دليفري ومفيش مطاعم.. الأسبوع الجاي العزومة هنا في بيتنا، وبنفس المنيو، بس المرة دي هتساعدني في لف الرقاق!
الويك إيند ده بدأ بوجع كبير، وغير نظرتي لحاجات كتير، بس خلاني أكتشف إن بنتي كبرت وبقت ست عاقلة ومليانة حنية أأمن بيها عليها وعلى نفسي في الدنيا. وعلمني كمان إن الأفعال اللي بتطلع بنية صافية وحب حقيقي، ربنا دايماً بيلاقي لها الطريق الصح عشان تنور، حتى لو البشر قفلوا في وشها
الأبواب.
تمت.

تم نسخ الرابط