ابنتي ذات ال 15 عاما

لمحة نيوز

ببطء.
بعد الظهر، جاءت ميرفت مرة أخرى.
جلست بجوار سرير مريم وتحدثت معها بهدوء طويل.
لم أسمع كل شيء.
لكنني سمعت جملة واحدة جعلت صدري يضيق
إنتِ مش مذنبة في أي حاجة حصلت.
بدأت مريم تبكي فورًا.
ليس بكاءً عاليًا.
بل بكاء شخص
ظلّ يحمل خوفًا أكبر من عمره لوقت طويل.
في المساء، وصلت هبة ومعها حقيبة كبيرة من الملابس.
قالت وهي تضعها فوق الكرسي
خدت لكوا شوية حاجات من عندي لحد ما نشوف هنعمل إيه.
ثم نظرت إلى مريم بحنان واضح.
عاملة إيه يا قلب خالتو؟
حاولت مريم الابتسام، لكنها لم تستطع.
اقتربت هبة منها وربتت على يدها بهدوء.
خلاص محدش هيزعلك تاني.
عندما خرجنا أنا وهبة إلى الممر، سألتني بصوت منخفض
إنتِ كنتِ عارفة؟
شعرت أن السؤال سحب الهواء من صدري.
قلت فورًا
لا.
لكن صوتي خرج أضعف من الحقيقة.
لأنني ربما لم أكن أعرف التفاصيل
لكنني كنت أعرف الخوف.
كنت أراه في طريقة مريم وهي تسمع صوت مفتاح الباب ليلًا.
في ارتباكها عندما يرتفع صوت حسام.
في صمتها الطويل.
وفي محاولاتها المستمرة لتجنب أي مشكلة.
كنت أرى كل ذلك
وأقنع نفسي أنه طبيعي.
وضعت هبة يدها على كتفي وقالت
المهم إنك
فوقتي دلوقتي.
لكنني لم أشعر أنني فقت.
شعرت فقط أنني أرى الخراب لأول مرة بوضوح.
بعد يومين، بدأت مريم تتحرك قليلًا.
كانت تمشي ببطء شديد بسبب الجرح.
وفي كل مرة تمر فيها ممرضة أو يدخل رجل إلى الغرفة، كنت ألاحظ كيف يتوتر جسدها فورًا.
حتى صوت الخطوات الثقيلة في الممر كان يجعلها تنتفض أحيانًا.
وفي إحدى الليالي، استيقظت فجأة وهي تبكي.
اقتربت منها بسرعة.
مالك يا حبيبتي؟
قالت وهي تحاول التنفس
حلمت إنه رجع البيت.
جلست بجوارها على السرير بحذر حتى لا أؤلم جرحها.
قلت
إحنا مش هنرجع هناك.
سكتت للحظة.
ثم سألت السؤال الذي كنت أخشاه
وإحنا هنعيش إزاي؟
نظرت إليها طويلًا.
طوال سنوات،
كان حسام يجعلني أصدق أنني لا أستطيع العيش بدونه.
أن المال باسمه.
والبيت باسمه.
والحياة كلها تحتاجه.
لكن وأنا أنظر إلى ابنتي فوق سرير المستشفى، أدركت فجأة أن أسوأ فقر يمكن أن يعيشه الإنسان هو أن يفقد الأمان داخل بيته.
قلت لها
هنعيش بأي طريقة بس مش معاه.
بدأت تبكي من جديد.
لكن تلك المرة، لم يكن بكاء خوف.
كان شيئًا أقرب للراحة.
بعد أسبوع تقريبًا، خرجت مريم من المستشفى.
ساعدتها في ارتداء
الجاكيت ببطء.
وكانت تتحرك بحذر شديد بسبب العملية.
في الخارج، كانت القاهرة مزدحمة كعادتها.
صوت السيارات.
باعة الشاي.
الناس الخارجة من محطة المترو.
والحياة التي لا تتوقف مهما حدث.
وقفت مريم للحظة أمام باب المستشفى وكأنها تخاف الخطوة التالية.
اقتربت منها هبة وقالت بابتسامة صغيرة
يلا يا بنتي البيت مستنينا.
لم نذهب إلى شقتنا.
ذهبنا إلى فيصل، إلى شقة هبة الصغيرة في الطابق الرابع.
كانت الشقة ضيقة.
وأصوات الأطفال لا تتوقف.
لكنها كانت أول مكان تنام فيه مريم دون خوف منذ سنوات.
في الليلة الأولى هناك، بقيت مستيقظة حتى الفجر تقريبًا.
كلما تحرك أحد في الشقة، كانت تفتح عينيها فورًا.
وكلما سمعنا صوت موتور أو رجل يتحدث بصوت عالٍ في الشارع،
كانت تنظر نحو الباب بتوتر.
حتى قالت لها هبة بهدوء
حسام ميعرفش إحنا هنا.
هزّت مريم رأسها، لكنها ظلت ممسكة بالبطانية بقوة طوال الليل.
الأيام التالية لم تكن سهلة.
كانت هناك أوراق وتحقيقات وأسئلة كثيرة.
وضباط.
وتقارير طبية.
وجلسات طويلة تجعلني أعيد كل شيء حدث في بيتنا سنة وراء سنة.
وفي كل مرة أحكي، كنت أكتشف أشياء لم أفهمها وقتها.

كيف كانت مريم تصمت فور دخول حسام.
كيف كانت ترتب كلامها قبل أن تتحدث.
كيف كانت تعتذر حتى عندما لا تخطئ.
في إحدى الجلسات، سألتني الأخصائية
إمتى آخر مرة شفتي بنتك مرتاحة فعلًا؟
ولم أعرف ماذا أقول.
لأنني لم أتذكر.
بعد فترة، طلبت مريم العودة للدراسة.
قالت
مش عايزة أفضل مستخبية.
ساعدتها هبة في تجهيز ملابسها.
وفي أول يوم مدرسة، بقيت واقفة عند الباب تتردد.
قلت لها
لو مش قادرة نرجع.
لكنها هزّت رأسها.
لا عايزة أحاول.
راقبتها وهي تدخل المدرسة ببطء.
وكان قلبي يرتجف كأنني أتركها هناك وحدها لأول مرة.
في المساء، عادت متعبة لكنها هادئة.
ثم قالت فجأة
الأخصائية النهارده.
ابتسمت لأول مرة منذ أيام.
وقالت لي إني شجاعة.
شعرت بشيء دافئ يتحرك داخلي.
لأن ابنتي التي قضت سنوات تشعر بالخوف بدأت أخيرًا ترى
نفسها بطريقة مختلفة.
مرت الشهور ببطء.
كنت أعمل ساعات إضافية.
وهبة تساعدنا قدر ما تستطيع.
بعنا بعض الأشياء.
وتنازلت عن أشياء كثيرة كنت أظنها مهمة.
لكن البيت صار أهدأ.
لم يعد أحد يخاف صوت المفتاح في الباب.
لم تعد مريم تقفز مذعورة عندما يرتفع صوت أحد.
وفي إحدى الليالي،
وجدتها تكتب داخل دفتر أصفر صغير.
سألتها
بتكتبي إيه؟
أغلقت الدفتر بسرعة.
ولا حاجة.
ثم بعد لحظة، فتحته وأعطتني إياه.
في أول صفحة كانت
تم نسخ الرابط