سر مرات ابويا

لمحة نيوز

وكانت بتزور رسايل باسمه من رقم مجهول عشان تخليني أصدق إنه رافضني. يومها الحاجة فوزية انهارت وهي بتتشال قدام
الجيران، والكل كان مصدوم من الست اللي طول عمرها عاملة نفسها ملاك. وأنا؟ أول ما الباب اتقفل عليها حضنت أحمد وفضلت أعيط في حضنه لحد ما نفسي اتقطع. بعدها بأسبوعين ولدت نور، وأول شخص شالها كان أحمد. فضل يبكي وهو بيبص لها ويقول حقك عليا يا بنتي بابا اتأخر. ومن يومها حياتنا اتغيرت. أحمد نقلنا من البيت ده خالص، وقطع أي علاقة بأمه بعد اللي عملته، وأنا أخدت وقت طويل عشان أتعافى من الرعب اللي عشته، لكن كل ليلة كنت أبص لنور وهي نايمة وأقول لنفسي إن ربنا نجانا في آخر لحظة. وبعد سنة كاملة، وأنا واقفة في البلكونة وأحمد شايل نور وبيضحك معاها، افتكرت يوم المكواة والنار اللي كانت هتتحط على بطني، وحمدت ربنا إن الحقيقة ظهرت قبل ما تضيع حياتي وبنتي للأبد.
بعد سنة كاملة من اللي حصل، كنت فاكرة إن حياتنا أخيراً هتهدى، وإن الكابوس انتهى يوم ما الشرطة أخدت الحاجة فوزية من البيت، لكن الحقيقة إن بعض الناس حتى وهم بعيد بيفضلوا سايبين سمهم في الروح. أنا وأحمد نقلنا لشقة جديدة في منطقة هادية، بعيدة عن البيت القديم وعن الجيران وعن كل الذكريات اللي كانت بتخنقني. نور كبرت شوية وبقت تمشي متعلقة في رجل أبوها طول الوقت، وأحمد كان بيعوضنا عن كل يوم غاب فيه، لدرجة إنه كان يرجع من الشغل يجري يشيلها قبل حتى ما يبدل هدومه. كنت ببص له وأقول لنفسي إن ربنا عوضني براجل يستاهل، وإن اللي فات خلاص انتهى. لكن
اللي كنت ماعرفوش إن الماضي عمره ما بيموت بسهولة. في ليلة شتوية والمطر بيخبط على الشبابيك،
كنت قاعدة في الصالة برضع نور، وأحمد في الحمام بياخد دش بعد يوم شغل طويل، وفجأة تليفوني رن من رقم غريب. رديت وأنا متوقعة إنه إعلان أو حاجة، لكن أول ما سمعت الصوت جسمي كله تلج. كانت الحاجة فوزية. صوتها كان واطي ومكسور بشكل غريب وهي بتقول إزيك يا مريم؟. قلبي دق بعنف، ومسكتي لنور زادت كأني بخاف حد يخطفها مني من السماعة نفسها. مردتش عليها، لكن هي كملت بسرعة أنا تعبانة يا بنتي ومحتاجة أشوف أحمد. أول رد فعل جالي إني أقفل في وشها، لكن قبل ما أتكلم سمعت صوت كحة جامدة وبعدها شهقة وجع. للحظة ضعفت، لأن مهما عملت كانت في يوم أم جوزي، لكن كل مشهد المكواة والنار والورق رجع قدام عيني. قلت لها ببرود أحمد ملوش دعوة بيكي بعد اللي عملتيه. سكتت شوية وبعدين قالت جملة خلتني اتجمد لو ماجاش بكرة هيموت وهو مش عارف الحقيقة. وقف قلبي حرفياً. سألتها بعصبية حقيقة إيه؟. لكنها قفلت السكة. خرج أحمد من الحمام لقاني وشّي أصفر، ولما حكيت له كل حاجة اتعصب ورمى الفوطة على الكنبة وقال الست دي مستحيل تبطل لعب. حاولت أقنعه مانروحش، لكنه فضل طول الليل ساكت وبيفكر. وفي الصبح، لبس وقال لي هروح أشوفها وآخر مرة. خوفي رجع تاني، وطلبت أروح معاه، لكنه رفض في الأول، وبعد زن طويل وافق. البيت القديم كان شكله مخيف أكتر من زمان، التراب مالي المكان، والبلكونة اللي كانت مليانة زرع بقت سودا وميتة. فتح لنا الباب راجل غريب، طلع ممرض، وقال
إن الحاجة فوزية بقالها شهور تعبانة ومحدش بيسأل فيها. دخلنا الأوضة،
ولأول مرة في حياتي أشوف الست دي ضعيفة. كانت نايمة على السرير جسمها خاسس جداً، وشعرها الأبيض مبهدل، وعينيها غرقانة في الهالات. أول ما شافت أحمد عيطت، عياط حقيقي مش التمثيل اللي كانت بتعمله. أحمد وقف بعيد، حتى ماقربش منها. قالت له بصوت متقطع عارفة إنك عمرك ما هتسامحني. رد ببرود فعلاً. سكتت شوية وبعدين قالت بس إنت لازم تعرف الحقيقة قبل ما أموت. أنا حسيت بقبضة في معدتي، وأحمد عقد حواجبه وقال خلصيني. بصتلي أنا الأول، وبعدها قالت نور كانت هتتاخد منكم غصب. اتصدمت. قالت إن وقت سفر أحمد كان في شراكة قديمة بين أبوه ورجل أعمال كبير، والرجل ده كان عايز يسيطر على أملاك العيلة بعد وفاة الأب، وإنه حاول يقنعها تخلي أحمد يطلقني لأنه عرف إن أحمد كاتب كل حاجة باسمي وباسم بنته الجاية. رفضت في الأول، لكن الراجل فضل يضغط عليها ويهددها إن أحمد نفسه هيتأذي في شغله لو ما نفذتش. كنت سامعة ومش مستوعبة. أحمد قرب منها وقال بعصبية إنتِ بتكدبي. لكنها طلبت من الممرض يجيب ظرف من الدولاب. الظرف كان مليان صور ورسايل وتسجيلات. تسجيلات لمكالمات بينها وبين الراجل ده، وهو بيهددها فعلاً ويقول إن وجودي أنا ونور خطر على مصالحه. قالت وهي بتنهج أنا غلطت كنت فاكرة إني بحمي ابني. صرخت فيها لأول مرة تحميه بإيه؟ بحرق بنته؟!. عيطت وقالت كنت مرعوبة والراجل ده كان شيطان. أحمد فضل واقف ساكت، وشه كله صدمة وغضب. وبعدها الحاجة فوزية بصت له وقالت في حاجة
تانية أبوك ما ماتش حادث زي ما قلتلك. هنا أحمد اتجمد
تماماً. قالت إن أبوه زمان كان ناوي يفض الشراكة دي، لكن الراجل ده دبّر له حادث العربية. أحمد مسك الكرسي كأنه هيقع، وأنا لأول مرة أشوفه بالضعف ده. فضل ساكت دقيقة كاملة، وبعدها أخد الظرف وقال لو الكلام ده طلع صح أقسم بالله ما هسيبه. خرجنا من البيت وأنا حاسة إن الدنيا بتلف. كنت فاكرة إن الشر كله كان جوا الحاجة فوزية، لكن طلع في ناس أكبر وأوسخ مستخبية في الضل. بعدها بأيام، أحمد بدأ يدور ورا الراجل ده، وكل يوم يرجع بملف جديد ومعلومة أخطر. طلع الراجل فعلاً متورط في قضايا كتير واتنفذ عليه حكم بعد شهور طويلة من التحقيقات. أما الحاجة فوزية، فحالها كان بيضعف بسرعة. وفي يوم المستشفى اتصلت بينا وقالوا إنها في آخر ساعاتها. أحمد راح لوحده المرة دي. رجع بالليل، دخل الأوضة وبص لنور وهي نايمة، وبعدها قعد جنبي وقال بصوت مكسور أمي ماتت. ماعرفتش أقول إيه. رغم كل حاجة، حسيت بحزن غريب، حزن على إن الحقد ممكن
يحول الأم لوحش، وعلى إن الخوف والطمع
يضيعوا عمر كامل. أحمد فضل أيام ساكت، لكن في ليلة حضنني وقال إنتِ ونور أنقذتوني من إني أبقى نسخة من الوجع ده. وبعدها الحياة بدأت ترجع واحدة واحدة. نور دخلت الحضانة، وأول حفلة عملوها هناك طلعت على المسرح تدور بعينيها وتقول بصوت عالي بابا!. أحمد قام جري عليها قدام الناس كلها وشالها وهو بيضحك ويبكي في نفس الوقت. وأنا ساعتها بس حسيت إن كل العذاب اللي عشناه اتحول لشيء تاني لبيت حقيقي اتبنى بعد حرب طويلة
جداً.

تم نسخ الرابط