كل واحد فينا هيصرف على نفسه
جوزي قالي كل واحد فينا هيصرف على نفسه...
قالها جوزي وهو واقف في المطبخ بمنتهى الثقة:
— من أول المرتب الجاي، كل واحد فينا هيصرف على نفسه. أنا تعبت من إني شايل البيت لوحدي.
كنت وقتها بقطع كزبرة وأنا بحضر الغدا، ولسه ماسكة السكينة في إيدي. لثواني، كل اللي سمعته كان صوت التلاجة.
ما اتعصبتش.
ما عيطتش.
حتى ما وقفتش تقطيع.
بصيتله بهدوء وقلت:
— فكرة ممتازة جدًا.
اتصدم.
— ممتازة؟
— أيوه طبعًا… كل واحد يبقى مسؤول عن فلوسه، دي حاجة عادلة وواضحة جدًا. نبدأ من بكرة.
فضل فاتح بقه كأنه مستني خناقة، ولما ملقاش غير الهدوء، اتلخبط.
جوزي “كريم” كان مهندس معماري في شركة مقاولات كبيرة في القاهرة. مرتبه كويس، لكنه طول عمره بيتصرف كأن مصاريف البيت بتنزل من السما لوحدها.
أما أنا، فكنت مديرة شحن واستيراد في شركة قطع غيار عربيات، وشغلي في العاشر من رمضان. بقبض أكتر منه، وبشتغل ساعات أطول، ومع ذلك كل يوم جمعة كنت بعمل عزومة كاملة لعيلته كلها، كأن بيتي مطعم مفتوح ببلاش.
في الأول كنت بعمل كده بحب.
أمي كانت دايمًا تقول إن الأكل طريقة تحتضن بيها الناس من غير ما تمد إيدك.
وكنت
المشكلة عمرها ما كانت في الطبخ.
المشكلة كانت في حماتي “أم كريم”.
كل جمعة تدخل عليّا بكيس مليان علب فاضية ولسانها مليان انتقادات.
— الرز ناشف شوية يا هبة.
— اللحمة حلوة… بس ناقصها تتبيلة أكتر.
— بصراحة، بمرتبك ده، المفروض تجيبي جمبري أكبر من كده.
وبعد ما تخلص كلام، تبدأ تلم باقي الأكل في العلب عشان تاخده لابنها التاني “سيد”، ومراته، وعيالهم التلاتة… أكل أسبوع كامل.
ولا مرة حد سأل الأكل ده كلف كام.
ولا مرة حد غسل حلة.
ولا مرة سمعت “تسلم إيدك” من غير بعدها “بس”.
في الشهر ده، ومن باب الفضول، فتحت الإكسيل اللي بسجل فيه مصاريفي.
جمعت تمن اللحمة، والخضار، والحلويات، والعصاير، والهدايا، والدروس، وحتى الأدوية اللي كريم كان بيشتريها لأمه كل شهر عشان “الغلبانة مزنوقة”.
اتفاجئت إن عزومات الجمعة لوحدها كلفتني تقريبًا أكتر من 400 ألف جنيه في سنة واحدة.
أما كريم؟
كان بيحط مبلغ بسيط في مصاريف البيت، والباقي يضيعه على خروجاته، والجيم، والجيمز، وتحويلات لأمه.
قبلها بأسبوع، رجع البيت شايل شنطة فيها ألعاب بلايستيشن جديدة وقال:
— دي مكافأة بسيطة لنفسي.
وفي نفس اليوم، كنت أنا اللي دافعة فاتورة الكهربا، والغاز، ومشتريات البيت، وكمان شنطة مدرسة لابن أخوه الصغير.
ولما طلبت منه يزود مساهمته شوية، اتنهد كأني بطلب منه كلية.
— إنتِ طول الوقت بتتكلمي في المصاريف يا هبة.
ما رديتش.
بس سجلتها في دماغي.
الفكرة أصلًا ما كانتش فكرته لوحده.
من أسبوعين وهو ما بيبطلش كلام عن زميله المطلق “شريف”، اللي مقتنع إن الستات عايشين على فلوس الرجالة.
وبعدين حماتي كملت الباقي وهي قاعدة على سفرتي.
— الجواز العصري إن كل واحد يبقى مسؤول عن فلوسه… عشان محدش يصرف على حد.
وقتها فهمت.
هم فاكرين إني عايشة على كريم.
فاكرين إن طبخي وتنضيفي وشغلي وفلوسي… واجبات طبيعية.
في الليلة دي، خلصت العشا بهدوء.
وكريم ما خدش باله إن التجربة بدأت فعلًا.
تاني يوم الصبح، صحيت عملت فطار لنفسي بس: بيض، وتوست، وأفوكادو، وقهوة مظبوطة.
قعدت آكل في هدوء.
نزل كريم من أوضتنا وهو مفلفل شعره.
— فين الفطار؟
— اعمله لنفسك… مش إحنا بقينا منفصلين ماديًا؟
فتح التلاجة…
واتصدم.
كل حاجة عليها استيكر بينك.
البيض.
الجبنة.
الفاكهة.
اللانشون.
القهوة.
حتى الزبدة.
بص للتلاجة كأنها خانته.
— هبة… إنتِ حطيتي لزق على الأكل؟
— طبعًا. كل واحد بياكل من الحاجة اللي دافع تمنها.
— ما كنتش أقصد تاخدي الموضوع بالحرف!
— وأنا بحب أنفذ الطلبات بدقة.
وسبته وخرجت شغلي… وهو واقف في المطبخ بياكل عيش ناشف بالكاتشب.
وأنا في الأسانسير… ابتسمت.
مش شماتة.
بس إحساس بالوضوح.
طالما كريم عايز يقسم البيت نصين… يبقى يشوف بنفسه كل الحيطان اللي هتقف قدامه.
لكن الصدمة الحقيقية حصلت يوم الجمعة… لما عيلته وصلت متوقعة العزومة المعتادة، واكتشفوا إن كريم ما عندوش غير الإحراج يقدمه على السفرة.
يوم الجمعة جه أسرع مما كريم كان متخيل.
وأنا رجعت من الشغل بدري، دخلت أوضتي غيرت هدومي بهدوء، وطلبت لنفسي أكل سوشي من مطعمي المفضل.
أما المطبخ؟
فاضي.
لا لحمة بتستوي.
لا صواني داخلة الفرن.
لا ريحة محشي مالية البيت.
الساعة بقت خمسة… وبعدها الجرس رن.
دخلت حماتي “أم كريم” أول واحدة، ووراها سيد ومراته وعيالهم، وكل واحد شايل علبه الفاضية المعتادة وكأنه جاي يستلم إعانة شهرية.
أم كريم بصت حوالين الصالة باستغراب.
— هو الأكل لسه ما استواش؟
رفعت عيني من الموبايل
— أي أكل؟
سكتت ثانيتين.
— عزومة الجمعة يا هبة.
— آه… لا، أنا بطلت أصرف على عزومات جماعية. كريم قال إن كل واحد يبقى مسؤول عن نفسه، وأنا احترمت رغبته.