كل واحد فينا هيصرف على نفسه

لمحة نيوز

 

الهدوء اللي نزل بعدها كان مرعب.

كريم خرج من أوضة النوم بسرعة:

— هبة… مش لازم تعملي كده قدام الناس.

— أعمل إيه بالظبط؟ أنا فقط بطبق النظام الجديد.

أم كريم عقدت دراعها:

— يعني إنتِ هتفضحينا عشان شوية أكل؟

ضحكت ضحكة صغيرة.

— شوية أكل؟ حضرتك عارفة إن عزوماتكم كلفتني السنة اللي فاتت أكتر من عربية؟

كريم قرب مني بصوت واطي:

— وطي صوتك.

لكنّي كنت خلصت سكوت.

قمت بهدوء، وروحت جبت ملف شفاف من الدرج.

وحطيته على السفرة.

— بما إننا بنتكلم عن العدل… خلونا نتكلم بالأرقام.

فتحت أول ورقة.

— دي فواتير اللحمة والدواجن لمدة سنة.

الورقة اللي بعدها.

— دي تحويلات كريم الشهرية لوالدته من حساب البيت.

ثم ورقة تالتة.

— ودي مساهمات كريم الفعلية في البيت.

وشه بدأ يصفر.

أما سيد فكان فاتح بقه.

مراته همست:

— معقول؟

بصيت مباشرة لحماتي.

— حضرتك كنتِ دايمًا تقولي إني عايشة على ابنك… تحبي نشوف مين كان شايل البيت فعلًا؟

كريم انفجر:

— إنتِ بتحاسبيني قدام أهلي؟!

— لا يا كريم… أنا بس بخليك تشوف الحقيقة

قدامهم لأول مرة.

أم كريم حاولت تغير الموضوع:

— العيب مش في الفلوس… العيب في قلة الأصل.

هنا ابتسمت.

وقمت من مكاني، ومشيت ناحية المطبخ، ورجعت بحاجة خلتهم كلهم يسكتوا.

دفتر صغير قديم.

حطيته قدام حماتي.

— تعرفي ده إيه؟

ما ردتش.

— ده دفتر الديون اللي كنتِ بتستلفي فيه مني كل شهر “لحد ما ربنا يفرجها”… واللي عمرك ما رجعتي منه جنيه.

كريم شهق:

— إيه؟!

فتحت أول صفحة.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

أرقام… تواريخ… تحويلات… أدوية… مصاريف مدارس… حتى إيجار شقة سيد شهرين كاملين كانوا من حسابي أنا.

سيد احمر وشه وبص في الأرض.

أما كريم فبدأ يفقد ثقته بنفسه لأول مرة.

— إنتِ… إنتِ عمرك ما قلتيلي كل ده.

بصيتله بجمود:

— لأنّي كنت فاكرة إننا عيلة… مش شركة محاسبة.

العيال كانوا جعانين وبدأوا يزنوا، ومرات سيد اتكسفت وقالت:

— طب نطلب أي أكل وخلاص.

الجملة دي كانت كأنها صفعة على وش كريم.

لأنه لأول مرة اكتشف إنه ما يعرفش حتى يطلب أكل لعيلته من غير ما يبص في رصيده الأول.

مسك موبايله… فضل ساكت شوية… ثم قال بصوت

متوتر:

— الكارت اترفض.

سيد بصله بصدمة:

— إزاي؟

وأنا كنت أعرف الإجابة.

لأن كريم كان صارف أغلب مرتبه على عربية مستعملة جديدة، وجيمز، وخروجات، وهو متعود إن “البيت” متغطي تلقائيًا بفلوسي.

أم كريم بدأت تتوتر.

— يعني هنفضل قاعدين كده؟

قومت لبست الجاكيت، ومسكت شنطتي.

كريم جري ورايا:

— رايحة فين؟

— هتعشى برا.

— وتسيبينا؟

لفيت وبصيتله بهدوء قاتل.

— منفصلين ماديًا يا كريم… فاكر؟

وسبته واقف وسط أهله، والتلاجة الفاضية وراه، وعيونهم كلها متعلقة بيه لأول مرة بدل ما تكون متعلقة بيا.

رجعت البيت بالليل.

لقيت الشقة هادية بشكل غريب.

أهله مشيوا.

وكريم قاعد لوحده في الصالة، ضلمة، من غير حتى التلفزيون مفتوح.

كان شكله مكسور.

أول ما شافني قال:

— إحنا محتاجين نتكلم.

قلعت الجزمة وقعدت قدامه.

لأول مرة من سنين… هو اللي كان متوتر.

— أنا… يمكن اتأثرت بكلام أمي وشريف زيادة.

ما رديتش.

— بس إنتِ كبرتي الموضوع جدًا.

ضحكت بسخرية خفيفة.

— كبرته؟ كريم… أنا كنت شايلة بيت كامل لوحدي وإنت فاكر نفسك الضحية.

سكت.

ثم قال بصوت واطي:

— أنا حسيت إنك مش محتاجاني.

الجملة دي فاجأتني.

كملت وأنا ببصله مباشرة:

— وأنا حسيت إنك معتبرني ماكينة. فلوس، طبخ، تنظيف، دعم… لكن كشريكة؟ لا.

عنيه اتهزت.

ولأول مرة… شفته مستوعب فعلًا.

فضل ساكت دقيقة كاملة، ثم قال:

— أنا غلطت.

كانت أول مرة أسمعها منه من يوم اتجوزنا.

لكن الاعتذار وحده ما كانش كفاية.

طلعت ورقة من الشنطة وحطيتها قدامه.

— دي شروطنا الجديدة لو هنكمل.

قرأ وهو متوتر:

  • حساب مشترك حقيقي بنسبة عادلة من المرتبين.
  • مصاريف أهله من فلوسه الشخصية فقط.
  • ممنوع عزومات أسبوعية إجبارية.
  • تقسيم واضح لشغل البيت.
  • جلسات استشارة زوجية.
  • ولو أي حد من أهله قلل مني مرة تانية… الزيارة تتمنع فورًا.

رفع عينه ناحيتي:

— وإنتِ لو رفضت؟

شربت رشفة مية وقلت بمنتهى الهدوء:

— يبقى هنبيع الشقة… ونطلق باحترام.

الصدمة ضربته.

لأنه أخيرًا فهم إني ما كنتش خايفة من خسارته…

أنا كنت تعبت من خسارة نفسي.

بعد أسبوعين، كريم نقل عربيته الجديدة وباعها.

وبدأ يحول مبلغ حقيقي للبيت.

أم كريم

بطلت تيجي كل جمعة.

وسيد؟ اشتغل شغل إضافي لأول مرة من سنين.

أما أنا…

فأول جمعة بعد كل اللي حصل، طلبت أكل لنفسي، قفلت موبايلي، وقعدت في البلكونة أشرب قهوتي في هدوء.

ولأول مرة من سنين…

ما كنتش حاسة إني خدامة في بيتي.

كنت حاسة إني صاحبته.

تم نسخ الرابط