جحيـم عنبـر كامله
الدنيا عليها، روحت أقسام، سألت طوب الأرض، ومفيش فايدة. كأن الأرض انشقت وبلعتها.
جوزي وقتها مات من حسرته بعد سنة من اختفائها. بقيت بطولي في الدنيا. الضعف اللي كان فيا اتمسح. اتحولت لشخص تاني. بدأت أدور في السكك الضلمة، السكك اللي الشرطة مابتتحركش فيها إلا ببلاغات رسمية.
عرفت إن مريم ما هربتش... مريم اتخطفت. واتخطفت من شبكة كبيرة، شبكة مابتخافش من حد، ناس تقال وليهم فروع في كل حتة. وعشان أوصل لأول الخيط، كان لازم أقرب من القاع. كان لازم أدخل العالم بتاعهم.
اتعلمت إزاي أدافع عن نفسي، إزاي أضرب من غير ما أسيب أثر، إزاي أقرأ لغة الجسد، وإزاي أتحمل الوجع من غير ما أنطق بحرف. اتعلمت وسط ناس يبيعوا أهاليهم بقرش.
ولما جالي أول خيط حقيقي... خيط بيقول إن الست اللي بتدير العمليات دي من جوة، وبتبعت الأوامر لبرة، هي واحدة مسجونة هنا في سجن النساء بقالها سنين... ما ترددتش ثانية واحدة.
قضية المخدرات اللي دخلت بيها؟ أنا اللي رتبتها. أنا اللي خليت المرشد يبلغ عني وأنا معايا بضاعة مغشوشة يدوب تدخلني السجن كام سنة. الظابط شافني مجرد صيد سهل، ست غلبانة اتزنقت في القرشين.
محدش كان يعرف إن السجن ده هو المكان الوحيد اللي هقدر ألاقي فيه إجاباتي.
والنهاردة... في أول يوم ليا... الخيط جه لحد عندي تحت رجلي. سوسو الحديدية مش مجرد بلطجية في عنبر؛ سوسو هي الدراع اليمين للست الكبيرة اللي أنا جاية أدور عليها.
صحيت من ذكرياتي على صوت همس في
العنبر.
بصيت ناحية سرير سوسو في آخر العنبر. كانت قاعدة وسط شلتها، بيتكلموا بصوت واطي وعينيهم عليا. كانوا فاكرين إني نايمة.
سمعت واحدة منهم بتقولها
هتعملي إيه يا سوسو؟ دي علمت عليكي قدام العيال كلها. لو سكتيلها، هيبتك راحت، ومحدش هيعملك حساب بعد كدة.
سوسو ردت بفحيح زي الحية
أسكت؟ أنا أسكت للبت دي؟ دي نهايتها هتبقى على إيدي. بس مش هنا في وسط العنبر والشاويشية رايحة جاية. بكرة في التريض... هخلي العيال يلهوا النبطشية، وأنا هخلص عليها بالمطواة الصفيح اللي مخبياها تحت البلاطة. هخليها عبرة لكل السجن.
ابتسمت في الضلمة. نمت على ضهري وحطيت إيدي تحت راسي.
سوسو المسكينة... فاكرة إنها هي اللي بتخطط. مش عارفة إنها بتلعب في المربع اللي أنا رسمته ليها بالملي.
ثاني يوم الصبح، الشمس كانت حامية، وصوت الصفارة أعلن عن وقت التريض. السجينات خرجوا للفسحة، الساحة الكبيرة المحاطة بأسوار عالية وسلك شائك. الكل كان ماشي وعينه عليا، مستنيين الجولة التانية. السجن ده عامل زي الغابة، لو شموا ريحة دم أو ضعف، الكل بيهجم.
مشيت بهدوء ورحت قعدت في ركن بعيد، ركن تضلله شجرة دبلانة. كنت ماسكة في إيدي علبة عصير صغيرة بشرب منها ببرود.
من بعيد، شفت سوسو ومعاها أربعة من شلتها بيقربوا. مشيتهم كانت سريعة، وعينيهم فيها غدر واضح. السجينات الباقيين بدأوا يوسعوا من طريقهم،
والجو
وقفت، رميت علبة العصير في الأرض، ودست عليها برجلي.
سوسو وصلت قدامي، وشلتها حاصروني من كل ناحية عشان يحجبوا الرؤية عن برج المراقبة وال سجانة اللي واقفة بعيد بتتكلم في التليفون.
سوسو طلعت من جيب جلابيتها حتة صفيحة مسنونة ومبرودة زي الموس، بتلمع تحت أشعة الشمس.
وقالت بوش مشوه من الغل
النهاردة يومك يا قمر... مفيش شاويشية عزة تلحقك، ومفيش حد هيحوشك عني.
بصيت للصفيحة، وبعدين بصيت في عينيها.
أنتِ لسه مكملة في الغلط يا سوسو. لسه مش عايزة تفهمي.
هفهمك وأنتِ بتموتي! صرخت وهي بتهجم عليا بالصفيحة في اتجاه رقبتي.
الحركة دي كنت متوقعاها. خطوة واحدة للجنب، مسكت معصم إيدها اللي فيها الصفيحة ولويته بقوة لورا. صوت طقطقة المفصل طلع واضح، وسوسو صرخت من الوجع والصفيحة وقعت من إيدها. قبل ما شلتها يتحركوا، كنت سحبتها من دراعها الملوى وحطيت دراعي التاني حوالين رقبتها من ورا، وبقيت بستخدمها كدرع بشري.
شلتها وقفوا مكانهم، خايفين يتحركوا لأكسر رقبتها.
همست في ودن سوسو، والمرة دي ضغطت على رقبتها لدرجة إنها بدأت تفقد الوعي
اسمعيني كويس يا سوسو... الصفيحة دي لعب عيال. أنا ممكن أنهي حياتك هنا ومحدش هيرف له جفن. بس أنا مش عايزاكِ تموتي... أنا عايزاكِ تعيشي وتقوليلي على اللي أنا عايزاه.
سوسو، وهي بتتنفس بصعوبة وتحت رحمة إيدي، قالت بصوت مخنوق
عايزة... عايزة إيه مني؟ سيبيني...
المعلمة نجوى الحوت... الست اللي بتشغلكم من
جوة السجن
سوسو عينيها اتفتحت من الرعب، الرعب المرة دي مكنش مني بس، كان من الاسم اللي قلته. نجوى الحوت دي الإمبراطورة اللي الكل بيترعب من سيرتها.
أنتِ... أنتِ مجنونة؟ لو نطقت باسمها، هتموتني وتموت أهلي!
ضغطت أكتر على رقبتها، وحسيت بنبضها السريع
ولو مانطقتيش، أنا اللي هخلص عليكي دلوقتي، وهيبان إنه كان دفاع عن النفس لأنك أنتِ اللي معاكِ السلاح. اختاري... موتك دلوقتي على إيدي، ولا حمايتي ليكي من نجوى الحوت؟ لأن من النهاردة... أنا اللي بقيت الكبيرة هنا.
سوسو كانت خلاص بتموت في إيدي، هزت راسها بسرعة بالموافقة وهي بتطلع أنفاسها الأخيرة.
سبتها فجأة، فوقعت على الأرض تكح وتنهج، والدموع نازلة من عينيها. بصتلي بنظرة انكسار كامل. الست اللي كانت ميزان الرعب في السجن، انكسرت تماماً.
شلتها جيروا عليها يشيلوها، بس هي رفعت إيدها ليهم وقالت بصوت ضعيف
سيبوها... محدش يلمسها... خلاص.
بصتلي وهي بتترعش وقالت
هقولك... هقولك على كل حاجة بليل في العنبر... بس ابعدي عني.
ابتسمت، وعدلت ياقت جلابيتي الزرقا.
الحكاية مخلصتش... الحكاية يدوب بدأت. السجن كله اتقلب رأسًا على عقب لأنهم عرفوا إن فيه كبيرة جديدة دخلت المكان، بس الكبيرة دي مش جاية تدور على فرض سيطرة ولا فلوس... الكبيرة دي جاية تجيب حق بنتها، واللي هيقف في طريقها، هتمسحه من على وش الأرض.
ومن النهاردة... السجن ده مابقاش سجن