اتجوزت برهان

لمحة نيوز

اتجوزت برهان 
اتجوزت ب 1000 جنيه رهانات، وكمان من فلاح أطرش وأخرس، الكل في البلد بيسموه الوحش. لكن الليلة دي، لما كريمة حطت الملقط في ودنه، اكتشفت إن إلياس مولودش أطرش.. ده في حد عمل فيه كده وسحره! في كفر العلو، ضحكوا عليها يوم دخلتها.. وفضلوا يتريقوا عليها ويقولوا البنت التخينة لحد يوم فرحها. وماكنش حد يتخيل إن البنت المذلولة الغلبانة دي، هي الوحيدة اللي هتقدر تسحب من راسه سر عاش مدفون من عشرين سنة! 
المطر كان مغرق الدنيا، والبرد ينخر في العضم في قلب الريف.
بصت كريمة لنفسها في المراية المكسورة وهي لابسة فستان أمها الأصفر القديم، وحست إن الجوازة دي مش هتتم، كانت خلاص هتستسلم للأمر الواقع.
خبط أبوها على الباب
يلا يا بنتي، جه الوقت.
شدت القماش على صدرها بقلة حيلة
حاضر يا ابويا.
ما نطقتش بكلمة زيادة.. هتقول إيه وليه؟
البلد كلها كانت عارفة الفضيحة. أبوها مديون للبنك ب 1000 جنيه، 1000 جنيه قذرة خلتهم مسخرة ونكتة على لسان كل سكران، ورهان بين رجالة القهوة وهما بيشربوا الشيشة تحت نور القمر.
واحد منهم قال بضحكة خبيثة
لما نشوف الأطرش هياخد التخينة دي ويعيشوا إزاي!
وإلياس وافق.
راجل عنده تمانية وتلاتين سنة.
فلاح عايش بطوله، منعزل عن الناس.
جسمه قوي زي شجر الكافور العتيق.
أطرش من صغره.
صاحب أرض مقطوعة وسط الغيطان

والصمت.
كريمة ما شافتوش غير مرتين بس.
أول مرة في الدكان الكبير وهو بيشتري ملح وفول، وفي جيبه نوتة صغيرة وقلم.
والمرة التانية في بيتها، واقف قدام أبوها وكتب كلمة واحدة في الورقة
السبت.
لا زيادة ولا نقصان.
لا وعد حلو.
لا حنية.
ولا حتى نظرة شفقة.
الفرح خلص في دقايق، لدرجة إن كريمة حست إن ربنا ما رِضيش يشهد على الجوازة دي من سرعتها.
لما المأذون خلص، إلياس يا دوب داس على خدها ببوسة ناشفة.
الناس اللي واقفة بدأت تهمس وتضحك بسخرية.
كريمة وطت راسها في الأرض.
مش من الكسوف ولا الحب.. من الغل اللي جواها.
لأن القسوة ممكن تتحملها وتكرهها، لكن نظرة الشفقة بتلزق في الواحد وتذله.
الطريق للمزرعة كان كله سكات.
العجلة بتاعت الكارتة بتزيق فوق الطين، والشجر باين ضلمه، والسماء مقفلة ومغيمة. كريمة كانت حاطة إيدها في حجرها وهي بيموتها الرعب ومستنية الأسوأ.
بس الأسوأ ما جاش.
إلياس فرجها على البيت.
كل حاجة كانت نظيفة وزي الفل.
الكانون والدفاية قايدين.
والسرير عليه لحاف تقيل ونظيف.
بعدها مسك النوتة وكتبلها
الأوضة دي ليكي، وأنا هنام برا جنب الدفاية.
كريمة قرت الكلام مرتين.
افتكرتها حيلة أو مقلب بايخ منه.
بس ما طلعش مقلب.
بكت الليلة دي وهي حاضنة فستان فرحها، ومستنية تسمع صوت خطواته عند الباب.. بس هو ما جاش خالص.
ومرت الأيام غريبة.
برد.
. وسكات.
. بس من غير قسوة.
إلياس ما لمسهاش، ولا بص لها بقرف في يوم.
ما كانش بيتكلم لأنه ما بيسمعش، بس قبل ما كريمة تصحى من النوم، كان بيبقى فيه حطب محطوط جنب الدفاية، ومية سخنة جاهزة، وعيش طازة متغطي بقماشة نظيفة.
وكان بيسيب لها في النوتة كلام متلخبط بخط إيده
خدي بالك من المطر البرة.
الجو هيقلب سيل النهارده.
بلاش تخرجي للزريبة لوحدك.
كريمة ما بقتش فاهمة الراجل ده.
كانت مجهزة نفسها للإهانة والمعاملة الناشفة، مش للهدوء ده كله.
في يوم العصر، وهو بيكسر الحطب، لقطته وهو بيحط إيده فجأة على ودنه اليمين.
جز على سنانه، وراسه مالت من الوجع.
وبعدها كمل شغله كأن ما فيش حاجة حصلت.
بعد كده، الحركة دي تكررت وهو بياكل.
وبعدها وهو نايم.
لحد ما في يوم شافت دم ناشف على مخدته.
كريمة بدأت توشوشها الشكوك وتراقبه.
وفي يوم الفجر، سمعت صوت كركبة جنب الدفاية.
خرجت حافية تجري.
شافت إلياس واقع على الأرض، عرقان غرَق، وعروق رقبته منفوخة وبارزة، وماسك راسه بإيديه الاتنين وبيتعصر من الألم.
ناولتله النوتة بسرعة.
كتب بصوابع بترتعش
الوجع ده بيجيلي كتير.
كريمة جسمها قشعر وحست برعب.
ما فيش وجع طبيعي يعمل في الراجل كده!
ما نامتش الليلة دي.
تاني يوم فضلت تلح عليه تفهم في إيه.
إلياس رفض، بس هي صممت وما سابتهوش.
لحد ما كتبلها
من وأنا عيل صغير.
. قالوا لي ده بسبب
الطرش، ملوش علاج.
قرت كريمة الكلام وقلبها اتعصر.
ما صدقتش كلام حد.. لا دكتور البلد، ولا الرجالة الصايعة اللي راهنوا على كسر نفسيَّتها، ولا الصمت اللي دفن إلياس وهو حي يرزق.
بعد تلات ليالي، وهما بيتعشوا، المعلقة وقعت من إيده.
رنت في الطبق بقوة.
وفجأة، إلياس اترمى من على الكرسي على الأرض.
جريت كريمة عليه.
كان بينهج بنهتة عالية ومكتومة، كأن في كلب بياكل في دماغه من جوه. بص لها بعيون مليانة رعب.. رعب قديم ومكتوم كأنه عارف المصيبة اللي هتحصل.
كريمة مسكت لمبة الجاز بسرعة.
رجعت شعره المبلول لورا، وبصت جوه ودنه الورمانة.
نفسها اتقطع من الصدمة!
كان فيه حاجة جوه.
حاجة ضلمة.. مدفونة.. وبتتحرك ببطء تحت اللحم!
كريمة رجعت لورا من الخضة.
جالها غثيان وعايزة ترجع، وكان في قلبها رغبة تجري برة البيت.
بس بصت لإلياس وهو مرمي على الأرض.. الراجل اللي كان يقدر يذلها ويكسرها وما عملش، الراجل اللي نام على البلاط عشان ما يخوفهاش، الراجل اللي شايل جهنم في راسه ومستحمل ومطلبش العون من حد.
راحت ولعت على مية سخنة بتغلي.
عقمت ملقط الخياطة في النار، وبلت قماشة بسبيرتو طاهر.
مسكت النوتة وكتبتله
فيه حاجة عايشة جوه ودنك، سيبني أطلعها.
إلياس هز راسه برفض عنيف، وشَد منها القلم وكتب
لا!
كريمة بصت في عينه بقوة وتحدي
لو سبتها.. هتموتك.
إلياس غمض عينيه
وجسمه كله بيتفض.
مش من الوجع.. المرة دي من الخوف.
بعد ثواني مرت كأنها
سنين، هز راسه بالموافقة.
قربت
تم نسخ الرابط