حماتي المفترية وجوزي الـندل
الجبروت،
وإزاي مكالمة التليفون دي ه تقلب قصر المحامي ل ساحة إعدام ب لغة القانون وبدون رحمة واِصل، ومين القوة الكبيرة اللي ه تكسر باب الشقة حالا وتقلب الترابيزة فوق روسهم عيني عينك؟
أول ما طارق خلص كلامه
على التليفون، ساد صمت ثقيل في الشقة كلها.
ثريا ابتسمت بسخرية.
وافتكرت إن الراجل اللي على الخط مجرد أب عجوز هيترجى يشوف بنته.
لكن الصوت الجهوري رجع تاني.
المرة دي كان أبرد من التلج.
وأخطر من أي صريخ.
قال
منى فين؟
طارق ضحك وقال باستهانة
مراتي هنا يا فندم، بس محتاجة حد يربيها شوية.
في اللحظة دي.
وصل صوت أنين منى وهي واقعة على الأرض.
وصوتها المكسور
يا بابا... إلحقني.
والدها سكت ثانيتين.
ثانيتين بس.
لكنهم كانوا كفيلين يخلوا الدم يهرب من وش أي إنسان.
ثم قال بهدوء
اقفل الباب كويس يا أستاذ طارق.
استغرب طارق.
ليه يعني؟
فجاءه الرد
عشان بعد خمس دقايق
وأغلق الخط.
ثريا ضحكت.
شايف؟ أبوها بيهول وخلاص.
لكن طارق لأول مرة حس بحاجة غريبة.
خوف.
غير مفهوم.
بعد أقل من عشر دقائق.
رن جرس الباب.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
بعنف.
طارق فتح الباب بعصبية.
فوقف مكانه كأن الأرض اتسحبت من تحته.
رجال شرطة.
نيابة.
إسعاف.
ومعهم أوامر رسمية.
الموضوع لم يكن نفوذ أب غاضب.
الموضوع أن هناك بلاغاً عن امرأة حامل تنزف ومحتجزة ومنع عنها العلاج.
الإسعاف دخل فوراً.
وشالوا منى على النقالة.
والأطباء أكدوا أن التأخير دقائق إضافية كان ممكن يكلفها حياتها وحياة الجنين.
أما ثريا.
فبدأت تصرخ.
وتقول إن كله سوء تفاهم.
لكن المشكلة أن الشقة كانت مليئة بالشهود.
ضيوف العزومة.
الخادمة.
البواب.
والجيران اللي سمعوا الصريخ.
والأهم من كل ذلك.
كاميرات المراقبة داخل الصالة والممرات.
الفيديو كان واضحاً.
زق.
وإهانة.
وصريخ.
وكسر الهاتف.
ومنع الاستغاثة.
أما طارق المحامي الشاطر.
فاكتشف أن أول قاعدة في القانون هي أن القانون لا يحمي من يظن نفسه فوقه.
بعد أيام.
أنجبت منى طفلها قبل موعده بأسابيع.
قضى وقتاً في الحضانة.
لكن ربنا كتب له النجاة.
ولأول مرة منذ سنوات.
كانت منى بعيدة عن الخوف.
بعيدة عن
الإهانة.
بعيدة عن بيت تحولت فيه الحياة إلى سجن.
أما القضية.
فكبرت.
وأثناء التحقيقات.
بدأت تظهر أشياء لم يكن أحد يتوقعها.
حسابات مالية مخفية.
تلاعب في بعض القضايا.
واستخدام نفوذ وعلاقات بطرق غير قانونية.
كل خيط كان يسحب خيطاً أكبر.
حتى وجد طارق نفسه يقضي وقته بين المحامين الذين كان يعتقد يوماً أنهم أقل منه.
وثريا؟
الست التي كانت ترى نفسها ملكة البيت.
أصبحت تجلس وحيدة.
بعدما ابتعد عنها الجميع.
حتى أقاربها.
أما منى.
فطلبت الطلاق.
ولم تتراجع.
وفي جلسة المحكمة الأخيرة.
وقف القاضي يقرأ الحكم.
بينما كان طارق ينظر للأرض.
ومن بعيد.
كانت منى تحمل طفلها بين ذراعيها.
لم تنظر إليه بكراهية.
ولا بشماتة.
فقط نظرت له نظرة شخص انتهى من معركة طويلة.
وبعد شهور.
عادت لحياتها.
وأكملت عملها.
وربت ابنها وسط احترام وأمان.
وفي يوم عيد جديد.
كانت جالسة في بيت والدها.
حولها إخوتها وأقاربها.
والطفل الصغير يضحك في حضن جده.
نظر إليها والدها وقال
ندمانة إنك طلبتيني يومها؟
ابتسمت.
ونظرت لطفلها.
ثم قالت
لا.
أنا ندمانة بس إني سكت كل السنين دي.
ربت والدها على كتفها وقال
السكوت عن الظلم عمره ما كان فضيلة.
ضحكت منى لأول مرة من قلبها.
بينما كان ابنها يمد يده الصغيرة نحوها.
إلى صدرها.
وأدركت أن أجمل انتقام لم يكن السجن.
ولا المحاكم.
ولا الأحكام.
أجمل انتقام كان أنها نجت.
وعاشت.
وبدأت من جديد.
أما طارق.
فخسر البيت.
وخسر سمعته.
وخسر الأسرة التي ظن أنها ستبقى
لأن الإنسان قد يربح قضية.
وقد يربح مالاً.
وقد يربح نفوذاً.
لكن عندما يخسر إنسانيته...
يكون قد خسر كل شيء.
تمت.