مرات ابني كامله

لمحة نيوز

مرات ابني كامله 
مرات ابني شغاله ومرتبها كبير قوي، وعرفت من ناس بره إنها ناوية تطلع أمها وأبوها عمرة من غير ما تقوللي ولا تاخد رأيي.
كلمت ابني وقلتله
سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوس البيت، مش احنا أولى بالفلوس دي؟ أو على الأقل كانت تطلعني أنا.
البيت كان هس هس، وصوت تكتكة الساعة في الصالة كانت مسموعة وبتدب في الودان زي دقات الطبول. الحاجة فاطمة كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، عينيها مش فارقة شاشة التليفون اللي قايدة في ضلمة الأوضة، صوابعها كانت بتفرك في السبحة بعنف مش متعودة عليه، وكل ما تفتكر مكالمة أم أحمد جارتها من ساعتين، الدم يفور في عروقها.
أم أحمد مالت عليها بعد صلاة العصر وقالتلها بضحكة صفرا مبروك يا حاجة فاطمة، عقبالك كده لما تفرحي.. سمعت إن ست الحُسن والجمال، مروة مرات ابنك، حجزت عمرة ل حماها وحماتها الشهر الجاي، طيران وفندق خمس نجوم على الحرم علطول! عقبال ما تفتكرك يا حبيبتي.
الكلمة نزلت على قلب فاطمة زي المية المغلية. مروة، مرات ابنها محمود، الموظفة الكبيرة في الشركة الإنترناشونال، اللي مرتبها وبدلاتها يعدوا الشئ الفلاني، بتعمل كل ده من ورا ظهرها؟ تطلع أبوها وأمها عمرة، وماتقولش لحماتها؟ ولا حتى تاخد رأيها في البيت اللي هي كبيرة فيه؟
فاطمة مأستنتش كتير. أول ما سمعت صوت مفتاح محمود بيتحط في الباب، قامت وقفت. محمود دخل والتعب باين على وشه من شقا طول النهار في معمل التحاليل اللي شغال فيه. قبل ما يقعد ولا يغير هدومه، لقى أمه واقفة قدامه وعينيها بتطلع شرار.
فاطمة بصوت حاد ومكتوم عشان مروة متمسكش عليها غلطة
سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوسها.. مش إنتوا أولى بالفلوس دي يا محمود؟ البيت أولى بقرش، والعيال مدارسهم ومصاريفهم بتقطم الظهر.. أو على الأقل، لو الفلوس فايضة معاها قوي كده، كانت تطلعني أنا! أنا اللي شقيت وربيت، مش أبوها وأمها اللي قاعدين
متهنيين!
محمود اتسمر في مكانه، الشنطة وقعت من إيده على الكرسّي، وبص لأمه بذهول
عمرة إيه يا أمي؟ وفلوس إيه؟ مروة مقالتليش حاجة عن الموضوع ده خالص!
فاطمة ضحكت بسخرية ولفت وشها
تصدق وتأمن بالله؟ إنت آخر من يعلم في البيت ده يا قلب أمك! الهانم بتخطط وتنفذ من ورا ظهرك، وعرفت من ناس بره.. ناس بره غُرب يعرفوا، وأنا وأنت يا عيني علينا قاعدين في غفلة!
محمود أحاسيسه اتلخبطت.. الغضب عمى عينيه، مش بس عشان الفلوس، عشان شكل رجولته قدام أمه، وإزاي حاجة بالحجم ده تحصل من ورا ظهره؟
دخل شقته في الدور الفوقاني وفجر البركان. مروة كانت واقفة في المطبخ بتجهز العشا، دخل عليها وعينيه حمرا
بقى بتخبي عليا يا مروة؟ بتحجزي عمرة لأبوكي وأمك بمبالغ

وقدرها وإنتِ عارفة إننا داخلين على مصاريف مدارس وأقساط؟ ومن ورايا؟ هو أنا ماليش كلمة في البيت ده ولا كيس جوافة؟
مروة اتخضت، سابت المعلقة من إيدها وبصتله بصدمة، لكن ملامحها اتحولت بسرعة لثبات وقوة متعودة عليهم من صغرها
جرى إيه يا محمود؟ بتكلمني كده ليه؟ ومين قالك الكلام ده؟
محمود صرخ
مش مهم مين قالي! الكلام ده صح ولا لأ؟ حجزتي ولا محجزتيش؟
مروة أخدت نفس طويل، ربّعت إيديها وقالت بكل برود وثقة
آه يا محمود، حجزت. الشهر الجاي إن شاء الله طالعين. ودي فلوسي، تعبي وشقايا وشغلي طول السنة، ومن حقي أفرح أبويا وأمك اللي كبروني وعلموني لحد ما بقيت في المكانة دي.. إنت مالك ومال فلوسي؟
محمود حس إن الكلمة ضربت كرامته في مقتل
مالي ومال فلوسك؟ إنتِ مراتي! وبيتك وعيالك أولى بكل مليم، وأمي.. أمي أولى ببرك لو عندك بر!
مروة ضحكت بوجع وسخرية
أنا مش مقصرة في بيتي يا محمود، ومصاريف عيالك إنت المسؤول عنها الأول، وأنا بساعدك ب يدّي الشقا برضايا مش غصب عني. أما أمك.. ف أمك عندها ولادها يبروها، أنا ببر أبويا وأمّي من مالي الخاص.. ولا هي الحكاية إن الحيزبونة
نقلتلك الكلام وسخنتك؟
في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف. فاطمة كانت واقفة على العتبة، وشها جايب ألوان من الغيظ، وكانت سامعة كل كلمة من ورا الباب.
فاطمة دخلت بنبرة تهز الحيطة
مين هي اللي حيزبونة يا ست مروة؟ أنا حيزبونة عشان بفتح عين ابني المغفل اللي مش عارف مراته بتودي فلوسها فين؟ يا خسارة تربيتي فيك يا محمود لما تسيبها تغلط فيا في بيتي!
مروة مراجعتش خطوة لورا، بصت ل حماها الحما وقالتلها وعينيها حادة زي الموس
أنا مغلطتش يا حاجة، بس اللي يدخل في اللي ملوش فيه، يسمع اللي ميرضيهوش. دي فلوس شغلي، وأنا حرة فيها.. ومش هسمح لمخلوق يتحكم في قرشي!
محمود صوته هز البيت كله، ورفع صباعه في وش مروة وهو بيترعش من الغضب
لحد هنا وكفاية يا مروة! أمي خط أحمر.. وفلوسك دي لو مكنش بيتي وأمي ليهم نصيب فيها بالرضا، يبقى مفيش عيش وملح بينا، والظاهر إن القعدة في البيت ده كترت عليكي!
مروة بصتله بنظرة غريبة جداً.. مكنش فيها خوف، كان فيها تحدي مرعب، وابتسامة غامضة اترسمت على وشها وهي بتبص ل حماها وليه.
مروة قالت بصوت واطي ومخيف
ماشي يا محمود.. إنت وأمك اللي اخترتوا تفتحوا الباب ده.. ومادام دخلنا في الحسابات والفلوس، يبقى من بكرة كل حاجة ه تتغير في البيت ده.. وهتشوفوا مروة تانية خالص!
سابتهم ودخلت الأوضة وقفت الباب وراها بالمفتاح، وسابت محمود وأمه في الصالة، الأنفاس عالية، والشر اللي اتمكن من القلوب فتح أبواب للي جاي.. وجاي كتير قوي.
مروة قفلت الباب وراها، لكن كلامها فضل يرن في ودان
محمود وأمه طول الليل.
الحاجة فاطمة كانت ماشية في الصالة رايح جاي وهي بتقول شايف يا محمود؟ شايف مراتك بتكلمني إزاي؟ دي لو سايبينها كمان شوية هتبيع البيت وتقول دي فلوسي!
لكن محمود، رغم غضبه، كان في حاجة مزعجاه. مروة عمرها ما كانت متهورة، وعمرها ما قصرت في البيت. ليه المرة
دي بالذات كانت واثقة بالشكل ده؟
الصبح، نزل محمود يفطر، فلقى على السفرة ملف أزرق كبير وعليه اسمه.
فتحه باستغراب...
أول ورقة كانت كشف حساب طويل.
ثاني ورقة كانت إيصالات.
ثالث ورقة كانت عقود سداد.
ومع كل ورقة، ملامح وشه كانت بتتغير.
الحاجة فاطمة قربت وهي بتسأل في إيه؟
محمود بلع ريقه بصعوبة.
الإيصالات كلها كانت باسم مروة...
مصاريف مدارس الأولاد آخر أربع سنين.
فاتورة عملية ابنه الكبيرة.
قسط العربية لما اتعطل شغله فترة.
حتى ديون قديمة كان ناسيها، كانت هي اللي سددتها من مرتبها من غير ما تتكلم.
وفي آخر الملف ورقة واحدة مكتوب فيها بخط مروة
أنا عمري ما حسبت اللي دفعته، لأننا أسرة مش شركة. لكن لما اتفتحت دفاتر الحساب، حبيت الكل يعرف الحقيقة.
الحاجة فاطمة سكتت لأول مرة.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
في آخر الملف ظرف صغير.
محمود فتحه...
ولقى بداخله صورة قديمة جداً لأبوه الله يرحمه.
وخلف الصورة ورقة مكتوب فيها
اسأل والدتك عن الأمانة اللي سابها أبوك قبل وفاته.
محمود رفع عينه لأمه بسرعة.
وشها شحب فجأة.
إيديها بدأت ترتعش.
وقال بصوت متقطع
أمانة إيه يا أمي؟
الحاجة فاطمة قعدت على الكرسي كأن رجليها خانتها.
ومرت ثواني طويلة قبل ما ترد.
ثم قالت بصوت مخنوق
كنت فاكرة السر ده هيموت معايا...
محمود حس بقلبه بيدق بعنف.
ومروة خرجت من الأوضة في اللحظة دي بالذات، وبصتلهم بهدوء غريب وقالت
قولي له يا حاجة... قولي له مين صاحب الأرض اللي أبوه اشتراها زمان واتسجلت باسم حد تاني مؤقتًا... وقولي له ليه أبوه أوصاكِ ما تقوليش الحقيقة إلا في الوقت المناسب.
الصمت نزل على البيت كله.
الحاجة فاطمة انفجرت في البكاء.
أما محمود فكان واقف مذهولًا، لأنه أدرك أن الخلاف ماكانش على عمرة ولا فلوس...
كان فيه سر عمره عشرين سنة مدفون تحت البيت نفسه، والنهارده فقط بدأ يطلع للنور الحاجة فاطمة كانت بتبكي لأول مرة بالشكل ده قدام ابنها.
ومحمود واقف مكانه، حاسس إن الأرض بتميل
تحت رجليه.
صرخ بصوت متوتر
حد يفهمني! أرض إيه؟ وسر إيه؟!
مروة سحبت كرسي وقعدت بهدوء، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
أما الحاجة فاطمة فمسحت دموعها وقالت
أبوك قبل ما يتوفى بسنة اشترى قطعة أرض كبيرة على أطراف البلد... وقتها كان في مشاكل قانونية على التسجيل، فكتبها مؤقتًا باسم شخص قريب من العيلة لحد
ما الأمور تخلص.
محمود عقد حواجبه.
وبعدين؟
الحاجة فاطمة نزلت عينيها للأرض.
وبعدين أبوك مات فجأة... والشخص ده اختفى بالأوراق.
محمود شهق.
يعني الأرض راحت؟
مروة هزت رأسها ببطء.
لا... الأرض ما راحتش.
سكتت ثواني طويلة.
ثم قالت
الأرض موجودة... وقيمتها النهارده بالملايين.
الحاجة فاطمة رفعت رأسها بسرعة نحو مروة.
كأنها كانت خايفة من الجملة الجاية.
ومحمود قرب خطوة.
إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
مروة فتحت شنطتها وأخرجت ملفًا قديمًا جدًا.
أطرافه مصفرة من الزمن.
وحطته قدام محمود.
لأن الشخص اللي كانت الأرض باسمه مات من شهرين.
محمود فتح الملف بسرعة.
جواه صور عقود قديمة وخطابات رسمية.
وفي آخر الملف صورة لرجل كبير في السن.
محمود بص للصورة... وتجمد.
الراجل كان معروف بالنسبة له.
كان واحدًا من أقرب أصدقاء والده.
الشخص نفسه اللي كان بيزورهم زمان كل عيد تقريبًا.
همس محمود
عم حسن؟!
مروة أومأت.
أيوه.
الحاجة فاطمة أغمضت عينيها.
واضح أنها كانت تعرف.
لكنها لم تتكلم.
محمود قلب الأوراق بسرعة أكبر.
ثم توقف فجأة عند ورقة حديثة.
وعليها ختم رسمي.
وقبل أن يقرأها كاملة، سقطت منه الورقة من شدة الصدمة.
مروة التقطتها وقالت بهدوء
اقرأ السطر الأخير.
محمود أمسكها مرة أخرى.
وعيناه اتسعتا.
السطر كان يقول
تم العثور على وصية موثقة تتعلق بقطعة الأرض المذكورة، وتسلم إلى الوريث الشرعي فور حضوره.
سكت الجميع.
ثم قال محمود بصوت مبحوح
يعني الأرض رجعت؟
مروة نظرت إليه مباشرة.
وقالت
مش دي المشكلة.
أمال إيه؟
مروة أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء
الوصية فيها شرط... ولو الشرط ما اتحققش خلال ثلاثين يومًا، الأرض كلها هتروح لجهة تانية.
الحاجة فاطمة شهقت.
ومحمود انتفض من مكانه.
شرط إيه؟!
لكن مروة لم تجب.
اكتفت بأنها دفعت نحوه آخر ورقة في الملف.
ورقة لم يكن أحد منهم قد قرأها بعد...
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب بخط والده الراحل
إلى ابني محمود... إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فاعلم أن الحقيقة التي أخفيتها عنك طوال عمري أخطر بكثير من الأرض نفسها....محمود حس إن أنفاسه اتقطعت.
إيده كانت بترتعش وهو بيفرد الورقة القديمة.
حتى الحاجة فاطمة بطلت عياط، ومروة كانت مركزة مع كل كلمة كأنها حافظاها عن ظهر قلب.
بدأ محمود يقرأ بصوت متقطع
يا محمود... لو وصلتلك الرسالة دي، يبقى ربنا أراد إن السر يطلع بعد السنين دي كلها. الأرض اللي سبتها مش أهم حاجة. الأهم هو الأمانة اللي دفنتها فيها.
محمود رفع رأسه بسرعة.
أمانة تاني؟!
مروة قالت بهدوء
كمّل.
رجع يقرأ
في الركن الجنوبي من الأرض، تحت الشجرة الكبيرة، دفنت صندوقًا حديديًا. الصندوق ده مش فيه فلوس ولا دهب..
. لكنه يحتوي على أوراق لو ظهرت للناس هتغير مصير أكتر من عيلة.
الصالة كلها غرقت في صمت ثقيل.
الحاجة فاطمة كانت شاحبة جدًا.
أما محمود فكان قلبه بيدق بعنف.
وأوصيك
تم نسخ الرابط