عزبة منصور كاملة

لمحة نيوز

عزبة منصور 
دخلت ذريبة صاحب المزرعة عشان تسرق بيضتين تسد جوعها هي وعيالها لكن حظها الوحش خلي صاحب المزرعة يمسكها وخيرها بين حلين وقفت مذهولة قدام الحل التاني ومكنتش مصدقة يطلب منها كدا......
الفراخ صوتها علي في الزريبة ، وفي ثانية كان منصور داخل الزريبة والبندقية في إيده، قميصه مفتوح وعينه فيها قسوة واحد قلبه مات ومبقاش يصدق حد. في عزبة المنسي مفيش دبانة تعدي من غير إذنه، وخصوصاً لو الفجر لسه بيشقشق، وعند عشة الفراخ، وبالذات لو اللي داخل ده واحد جوعه كافر وإيده يائسة.
لمحها مستخبية في الخيال، بتلم البيض في كيس قماش قديم، صوابعها كانت رفيعة زي الحطب، وطرف فستانها غرقان طين، وشعرها منكوش على وشها وهي بتنهج نهجان حد بيهرب من الموت مش بس من الجوع. منصور رفع البندقية وعمرها بصوت يرعب نزلي اللي في إيدك!
ال ج٩بنت اتسمرت، لا صرخت ولا اتذللت، فضلت محصنة كيس البيض في حضنها كأنه حتة من قلبها، أو كأن لو بيضة واحدة وقعت هتبقى دي النهاية. قرب منها منصور خطوتين وبصوت زي الرعد قال قلتلك نزليه!
لفت وشها بالراحة.. كانت لسه صغيرة، بس عينيها فيها وجع وهمّ يشيلوا جبال، عينين واحدة شافت المر واتهانت وخلاص مابقاش فيها حيل للمناهدة. همست بصوت مبحوح أبوس إيدك

ما تضربش
نار.. والله ما ليّ، دول لعيالي.
منصور جز على سنانه، الكلام ده سمعه ميت مرة، كل حرامي وله حجة، اللي أمه عيانة واللي أخوه بيموت، مفيش جديد. وعيالك فين بقى يا ست هانم؟
البنت ريقها نشف وبصت ناحية الشجر البعيد ورا المصرف الناشف مستخبيين في الجورة.. ورا الزريبة القديمة.
منصور فضل يمسحها بعينه من فوق لتحت؛ مفيش جاكيت يحميها من برد الفجر، جزمة مقطوعة، وأثر ضرب زرقا تحت رقبة فستانها. دي مش مجرد واحدة بتسرق عشان تاكل، دي واحدة هربانة من جهنم. مين اللي عمل فيكي كده؟
رفعت راسها بكبرياء غريب دي حاجة ما تخصكش.
منصور ضحك ضحكة صفرا بتسرقي من أرضي وبتقوليلي ما يخصنيش؟
غمضت عينها ثانية، ولما فتحتها الخوف كان اتبخر وحل محله الخجل اسمي رنا.. والناس بيقولولي رينو، أنا ما جيتش هنا عشان أأذيك، اطلب البوليس لو عايز، بس أبوس رجلك خلي العيال ياكلوا الأول.
منصور نزل البندقية شوية معاكي كام عيل؟
اتنين.
عندهم كام سنة؟
خمسة وسبعة.
منصور حس بنغزة في قلبه بس مابينش وأبوهم فين؟
رنا ابتسمت ابتسامة تقطع القلب أبوهم كان أول واحد قبض تمننا وبعنا.
منصور بطل يسأل، قرب منها وفتح الكيس ببوز البندقية، لقى البيض وحتة قماش وسكينة صغيرة ونص ميدالية قديمة عليها صورة العذراء،

ولقى ورقة مطبقة. رنا اتنفضت وحاولت تخطفها لأ! دي لا!
منصور مسكها من دراعها قبل ما توصل للورقة، جسمها كله خشب كأنها مستنية منه قلم يطير وشها، بس هو سابها بالراحة. فتح الورقة وقرا تلات سطور بس، وحس إن الهوا خلص من صدره. الورقة كان عليها ختم المحكمة، ومكتوب فيها إن مع أول ضوء للفجر، ولاد رنا لازم يتسلموا ل الحاج عزمي سداداً ل ديون أبوهم.
الحاج عزمي.. الاسم ده لوحده كفيل يوقف الدم في العروق، الراجل اللي بيشتري كل حاجة، الأراضي والنفوس، بس أول مرة يسمع إنه بيشتري عيال!
منصور بصلها بنظرة تانية خالص هما بيدوروا عليكي؟
من امبارح.
واشمعنى جيتي هنا؟
عشان العزبة مقطوعة.
مش سبب كافي.
بصت للشجر وصوتها رعد من الخوف عشان أمي كانت شغالة هنا زمان، وقالتلي لو الدنيا ضلمت في وشك تماماً.. روحي لمنصور الزيات.
منصور اتسمر مكانه، ذكرى الست دي كانت زي رصاصة قديمة في جسمه ووجعها صحي فجأة أُمك كان اسمها إيه؟
رنا ملحقتش ترد، لأن في اللحظة دي صوت عربيات نص نقل وصرخة كاوتش كسرت سكون الفجر، وصوت راجل جلف هز العزبة كلها يا رنا! اطلعي بالذوق.. عارفين إنك مستخبية عند الزيات!
منصور قبض على بندقيته وقالها ادخلي الزريبة جوه بسرعة!
وعيالي؟
قلت ادخلي!
بس رنا ما اتحركتش،
وبإيد
بترتعش طلعت من صدرها النص التاني من الميدالية المكسورة. منصور أول ما شافها لونه خطف وبقى زي الأموات، لأن النص التاني من نفس الميدالية كان متعلق في رقبته هو بقاله عشرين سنة!
يا ترى رنا تبقى مين بالنسبة لمنصور؟ وإيه السر اللي يخلي رجالة الحاج عزمي مستميتين عشان يخدوها هي وعيالها قبل الشمس ما تطلع؟ وليه الميدالية دي هي مفتاح السر اللي اندفن من سنين؟
منصور بص للميدالية اللي في إيده وللميدالية اللي في إيد رنا، والزمن كأنه وقف.. شريط ذكريات مر قدام عينه في ثانية، صورة ستيتة الخدامة اللي كانت شغالة في بيت أبوه، واللي حبها زمان وكانوا هيتوفقوا لولا جبروت أبوه اللي طردها وهي حامل ومسح سيرتها من الدنيا. فاق من صدمته على صوت خبط رزيق على بوابة الزريبة وصوت الحاج عزمي وهو بيزعق افتح يا زيات.. إحنا عارفين إن البت عندك، دي مالنا وعيالها سداد دين، والشرع والقانون معانا!
منصور سحب رنا من دراعها ودخلها ورا كوم تبن عالي، وبص في عينها بجمود وقال انتي بنت ستيتة؟ رنا هزت راسها بدموع وهي مش فاهمة حاجة، منصور كمل كلامه وهو بيعمر البندقية بطلقتين جداد اقعدي هنا وما تنطقيش نفس، عيالك في رقبتي لو فيها موتي.
خرج منصور ووقف قدام بوابة الزريبة، فتحها ببطء وهو شايل البندقية
على كتفه
ببرود
يحرق الدم. الحاج
تم نسخ الرابط