عزبة منصور كاملة
المحتويات
عزمي كان واقف ومعاه أربعة رجالة بشنبات كأنهم غولة، ومعاهم ورق متدبس. عزمي ضحك بشر نورت يا زيات، هات الأمانة اللي عندك وخلونا نخلص، الحساب بينا كبير والورق ده يخلي الحكومة نفسها تقف معانا.
منصور نفث دخان سيجارته اللي ولعها فجأة وقال الورق ده تبلّه وتشرب ميته يا عزمي.. البت دي وعيالها في عرضي، والكلمة دي في عزبة المنسي معناها إن اللي هيقربلهم روحه هتطلع قبل ما يلمس طرف فستانها.
عزمي وشه احمر وصرخ دي ديون يا منصور! جوزها بايعهم لي رسمي بموجب تنازل عن الوصاية، والعيال دي هتتربى في مخازني عشان يسدوا اللي عليهم!
منصور نزل البندقية وصوبها ناحية رجل عزمي بالظبط مفيش حد بيشتري بني آدمين في زمني يا عزمي. والديون اللي بتتكلم عنها، بكرة الصبح تكون في حسابك بالمليم.. بس دلوقتي، خد رجالتك وغور من قدامي قبل ما الفجر يشهد على أول قتيل.
الرجالة حاولوا يتحركوا، بس منصور صفر صفارة واحدة، طلع من ورا الشجر والبيوت بتاع عشرين غفير من رجالة العزبة، كلهم شايلين شوم وسلاح. عزمي عرف إن اللعبة خسرانة، ركب عربيته وهو بيتوعد مش هسيبك يا زيات، والميدالية اللي معاها دي هحرق قلبك بيها.
أول ما العربيات مشيت، منصور دخل الزريبة بجري،
لقى رنا منهارة في الأرض.
رنا بصتله بذهول يعني أنت.. أنت أخويا؟
منصور بدموع نادرة نزلت من عينه أنا السند اللي اتأخر عشرين سنة يا رنا.
عدى أسبوع، وكانت العزبة كلها مقلوبة فرح. منصور جاب العيال من ورا المصرف، وعمل ليهم أوضة في بيته الكبير كأنهم ولاده. الحاج عزمي مابقاش له حس بعد ما منصور دفع الديون وزيادة، وقطع الورق اللي كان كأنه حبل مشنقة حوالين رقبة رنا.
قعد منصور في الجنينة، ورنا جنبه بتشرب شاي، والعيال بيلعبوا قدامهم. منصور طلع الميدالية الكبيرة بعد ما لحم النصين في بعض عند الصايغ، وبقت حتة واحدة بتلمع تحت شمس العصر. بص لرنا وقالها النهاردة بس الميدالية كملت، والعيلة رجعت.. ومحدش في الدنيا يقدر يكسرنا تاني. رنا سندت راسها على كتف أخوها لأول مرة في حياتها وهي حاسة إن الجوع والتشرد بقوا مجرد كابوس بعيد، والفجر اللي كان بيخوفها، بقى هو اللي بيعلن بداية حياتها الجديدة.
منصور مسبش الموضوع يخلص عند حد حماية رنا والعيال وبس، كان عارف إن عزمي
زي التعبان، لو مكسرتش دماغه
تاني يوم الصبح، والشمس لسه بتبدأ ترسم خيوطها على شجر الجميز، منصور لبس جلبابه الصوف وحط مسدسه في جنبه، وطلب من رضوان ذراعه اليمين يجمع كبارات العزبة كلهم في المندرة.
دخل منصور المندرة، وكان عزمي قاعد والغل بياكل في قلبه، وحواليه كبار المنطقة. منصور رما الميدالية الملحومة على التربيزة في النص، وصوت رنتها عمل سكتة في القاعة.
منصور اتكلم بصوت هادي وفيه هيبة يا حاج عزمي، الدين اللي بتقول عليه بتاع جوز رنا، أنا سددته بشيك مقبول الدفع واصلك النهاردة، والورقة اللي معاك بالتنازل عن العيال، دي ورق بلطجة مش قانون، ولو وصلت للمركز أنت عارف إنك هتتجاب بتهمة اتجار في البشر.
عزمي قام وقف وهو بيزعق والأصول يا زيات؟ الأصول إن اللي يمد إيده على مال غيره يتحاسب!
منصور قرب منه خطوة واحدة، وعينه كانت زي الصقر الأصول بتقول إن البنت دي لحمي ودمي، وأنا الزيات اللي الأرض بتخاف من خطوته.. رنا مش بس أختي، دي بقت صاحبة نص العزبة دي شرعاً وقانوناً، ميراث أبويا اللي انحرمت منه هي وأمها، أنا رديته لها النهاردة.
عزمي بص للرجالة حواليه لقى الكل مطاطي راسه، ومنصور كمل بلهجة قاطعة أي حد في العزبة أو براها
هيفكر بس يرمي خيال على بيت رنا،
عزمي سحب نفسه وخرج وهو بيبرطم، ومنصور رجع البيت لقى رنا واقفة قدام العشة اللي كانت بتسرق منها البيض، بس المرة دي كانت لابسة لبس نضيف، والعيال في إيديهم سندوتشات وبيلعبوا حواليها.
رنا بصت لمنصور وقالتله بكسوف كنت فاكرة إن الدنيا خلاص قفلت يا منصور.. مكنتش أعرف إن البيضتين اللي جيت أسرقهم عشان أسد جوع ولادي، هما اللي هيرجعولي أخويا وحقي.
منصور ضحك من قلبه، ورفع أصغر عيل فيهم على كتفه وقالها دي مش سرقة يا رنا، دي كانت نداهة عشان ترجعك لبيتك. ومن النهاردة، مفيش حد من عيالي هيجوع تاني، والبيت ده بابُه مفتوح ليكي وليهم ليوم الدين.
اتلمت العيلة على سفرة واحدة لأول مرة من عشرين سنة، والسر اللي كان مدفون تحت تراب العزبة، بقى هو السند اللي رنا بتسند عليه ضهرها وهي مطمنة إن الشمس اللي طلعت النهاردة، مش هتغيب تاني أبدًا.
ومرت الأيام، وعزبة المنسي مابقاش اسمها المنسي، الناس بقوا يسموها عزبة الزيات من كتر الهيبة والخير اللي بقى فيها. منصور محبسش رنا جوه
البيت،
بالعكس، بنالها
متابعة القراءة