عزبة منصور كاملة

لمحة نيوز

لها مشروع صغير تربي فيه طيور وتوزع على أهل العزبة الغلابة، عشان تفضل فاكرة دايما إن اللقمة المرة هي اللي وصلتها لبر الأمان.
في يوم، رنا كانت قاعدة مع منصور في الشرفة، والعيال ياسين وزياد كبروا شوية وبقوا يروحوا المدرسة في البندر بعربية مخصوص. رنا بصت لمنصور وقالتله تعرف يا أخويا، ساعات بليل بصحى مخضوضة وبفتكر صوت تعميرة البندقية وصوتك وأنت بتقولي نزلي اللي في إيدك.. بحس إن كان كابوس.
منصور ابتسم وهو بيعدل الميدالية اللي بقت محطوطة في برواز ذهب على الحيطة دي كانت قرصة ودن من الدنيا يا رنا، عشان تعرفي إن الحق مابينامش. عزمي النهاردة سمعت إنه صفي أعماله ومشي من البلد خالص، الأرض مابتشيلش ظالم يا خيتي.
فجأة دخل رضوان وهو بيضحك ومعاه كرتونة بيض كبيرة يا ست رنا، الفراخ النهاردة مبيضة بزيادة، والعيال في العزبة مستنيين نصيبهم.
رنا قامت بضحكة صافية، الضحكة اللي غابت عن وشها سنين، ومسكت الكرتونة وبدأت توزع بنفسها. منصور كان بيبص عليها من بعيد وهو حاسس براحة لأول مرة في قلبه.
. القسوة اللي كانت في عينه
دابت، والغلظة اللي في قلبه اتبدلت بحنان الأخ اللي لقى ضالته.
وفي ليلة من ليالي الشتا، ومنصور قاعد بيقفل شبابيك البيت، لمح رنا واقفة قدام صورة أمها ستيتة اللي صورها ومنصور كبرها وعلقها في صدر الصالة، كانت رنا بتبوس الصورة وتهمس ارتاحي يا أمي.. منصور طلع قد الأمانة، والولاد بقوا في حضن راجل مبيخافش غير من اللي خلقُه.
قفل منصور النور، وهو عارف إن عيلة الزيات مابقتش مجرد اسم، دي بقت قلعة، بابها مفتوح لكل محتاج، وسورها عالي قدام أي حد يفكر يكسر خاطر يتيم أو يذل إيد كانت في يوم يائسة. وانتهت حكاية رنا والبيضتين، بإنها مابقتش محتاجة تسرق عشان تعيش، بقت هي اللي بتأكل العزبة كلها.. بالحب والستر.
لكن الحكايات اللي بتبدأ بوجع مابتخلصش بسهولة، وماضي عزمي كان لسه فيه شوكة أخيرة. في ليلة كان القمر فيها غايب، منصور صحي على صوت خروشة غريبة ناحية الزريبة القديمة، نفس المكان اللي شاف فيه رنا لأول مرة. قام وسحب بندقيته وخرج بالراحة من غير ما يحسس حد.
هناك، لمح خيال حد بيحاول يولع نار في كومات التبن
اللي ساندة
على بيت رنا الجديد. منصور هجم عليه زي النمر ومسكه من قفاه قبل ما الكبريت يلمس القش. ولما لفه لوشه، كانت الصدمة.. مكنش عزمي، ده كان صالح، جوز رنا اللي باعها وباع عياله!
صالح كان وشه شاحب وهدومه مقطعة، وقع تحت رجل منصور وهو بيترعش سامحني يا زيات.. عزمي هو اللي وزني، قالي احرق قلبهم عشان يرجعولي العيال وأنا أتنازلك عن الكمبيالات اللي عليا.
منصور مسكه من رقبة قميصه ورفعه لفوق أنت لسه ليك عين تيجي هنا؟ أنت بعت عرضك يا ناقص! ده أنا لو قتلتك دلوقتي ودفنتك مكانك مفيش كلب هيسأل فيك.
رنا صحيت على الصوت وخرجت تجري، ولما شافت صالح، اتجمدت مكانها. صالح بدأ يزحف ناحيتها يا رنا.. سامحيني، أنا أبو عيالك، الفقر كفرني يا بنت الناس.
رنا بصتله بنظرة كلها قرف، نظرة واحدة مكسورة مابقاش فيها غير القوة، وقالت بصوت ثابت أبو عيالي مات يوم ما سابهم جوعانين وراح يقبض تمنهم. أنت مالكش مكان هنا، ولا ليك عيال عندنا.
منصور بص لصالح وقال بلهجة ترعب اسمع يا صالح، أنا هسيبك تمشي لسبب واحد بس، إنك كنت في يوم من الأيام سبب في
إن
العيال دي تيجي الدنيا، وعشان رنا ميتلوثش اسمها بدم واحد زيك. لكن لو شفت خيالك في العزبة تاني، قسماً بالله ما هرحمك.
صالح جري زي الفار في الضلمة، ومنصور لف لرنا وطبطب على كتفها متخافيش، الشجر الميت لازم يتقلع عشان الشجر الجديد يطرح.
ومن اليوم ده، منصور قرر ينهي القصة تماماً. جمع كل الورق والكمبيالات اللي تخص أهل العزبة عند عزمي واشتراها كلها بفلوسه، وحرقها وسط الساحة قدام الكل، وقالهم من النهاردة مفيش حد مديون لحد غير للي خلقه، والعزبة دي يد واحدة.
عاشت رنا مع أخوها في تبات ونبات، وياسين وزياد كبروا وبقوا سند لخالهم ومنصور بقى بيشوف فيهم العوض عن السنين اللي عاشها وحيد. والميدالية الملحومة فضلت متعلقة في مدخل البيت، تحكي لكل اللي يدخل إن الأصل غلاب، وإن اللي بيستر ولاد الناس، ربنا بيسخرله اللي يستره في عز ضيقته.
ونهاية القصة كانت مشهد لرنا وهي واقفة في نفس الزريبة، بس المرة دي بتجمع البيض في سلة ، وبتديه لواحد فقير معدي، وبتقوله بابتسامة خد يا أخويا.. ده رزق عياله، الرزق بيحب الخفية، والحلال
مفيش أحلى منه.
تمت

تم نسخ الرابط