جوزي اخد بنتنا
جوزي أخد بنتنا اللي عندها أربع سنين وسافر بيها رحلة بالعربية، ووعدني إنه هيرجع بعد شهر.
رجع بعد تلات شهور لوحده، وشه محروق من الشمس ونظراته فاضية كأن روحه ماتت في السكة.
ولما سألته داليا فين؟
اداني بالقلم.
بس بالليل فتحت شنطته، ولقيت حاجة خلتني أفهم إن بنتي عمرها ما وصلت للمكان اللي كان بيقولي عليه
كنت واقفة في المطبخ بقطع كوسة للأكل لما سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب.
السكينة وقعت من إيدي.
مفكرتش في أي حاجة لا الزيت اللي على النار، ولا المريلة المتبهدلة، ولا التلات شهور اللي كنت بنام فيهم والموبايل لازق في صدري.
جريت ناحية الباب وقلبي بيخبط في زورى.
لقيت قيصر واقف.
لوحده.
شايل شنطة رمادي مليانة تراب، دقنه طويلة، شفايفه متشققة، ووشه مقشر من الشمس.
كان شكله عامل زي واحد تايه في الصحرا بقاله شهور
بس عمره ما كان شكل أب راجع ببنته.
أول حاجة قولتها
داليا فين؟
مردش.
دخل كأنه داخل بيت فاضي، رمى الشنطة جنب الكنبة وراح على التلاجة. فتح إزازة مية وشرب نصها مرة واحدة.
قلت وأنا رجليا بتترعش
قيصر بنتي فين؟
حط الإزازة بعنف على الترابيزة.
أنا لسه داخل يا ماريسول مش هتسلمي الأول؟
مش عايزة أسلم عليك. عايزة أعرف بنتي فين.
بصلي أخيرًا.
وعنيه كانت ساقعة مش تعبانة. ساقعة.
سبتها هناك.
حسيت الأرض بتسحبني لتحت.
هناك فين؟
في سونورا مع ناس معرفة.
معرفة مين؟ أنا معرفهمش.
نفخ بضيق كأني ناموسة زنّانة.
من تلات شهور، كان قالي إنه عايز ياخد داليا رحلة أب وبنته.
قال هنروح وادي جوادالوبي، وبعدها شواطئ باخا، وبعدها صحرا سونورا.
شهر بالكتير، كده وعدني.
وقال إن البنت محتاجة تفسح وتشوف الدنيا، وإن شغلي في الكوافير واخدني منها.
أنا مكنتش موافقة.
داليا كانت لسه صغيرة عندها أربع سنين.
كانت بتنام حاضنة الأرنب اللعبة بتاعها، وبتعيط لو المية كانت ساقعة شوية.
بس هو فضل يزن ويتكلم بحنية ويقول إنه عايز يقرب منها لحد ما وافقت.
أول أسبوع كان بيبعت فيديوهات.
داليا بضفايرها الاتنين، ماسكة أيس كريم، وتضحك قدام طاحونة هوا، وتصرخ
مامي بصي! بقر!
وكنت أبعتلها رسايل صوت طويلة
اسمعي كلام بابا يا حبيبتي خليه يحطلك كريم شمس ومتسيبيش إيده.
الأسبوع التاني الاتصالات بقت تقل.
التالت موبايله اتقفل.
روحت القسم. مرتين.
عيطت قدام موظفة حتى مبصتش في وشي.
قالتلي
يا مدام، البنت مع أبوها، ده مش اختفاء رسمي.
بس مش بيرد! وأنا معرفش هما فين!
استني شوية يمكن مفيش شبكة.
بعدها بعتلي رسالة واحدة
متعمليش دوشة. الشبكة وحشة.
وبعدها فضل ينزل صور طرق وصحرا وسما برتقاني
ولا صورة واحدة لداليا.
ولا حتى إيدها.
ودلوقتي بعد ٩٣ يوم راجع يقولي إنها قعدت هناك.
قلت وأنا بمسك موبايلي
أنا هروح أجيبها حالًا.
خطف الموبايل من إيدي.
مش هتعملي فضايح.
رجعهولي.
داليا كويسة.
طب خليني أكلمها.
نايمة.
الساعة ستة المغرب!
بيتعبوا هناك.
هناك فين يا قيصر؟!
فكه اتشد.
خلاص بقى.
لا مش خلاص. هتقولي بنتي فين بالظبط.
حاولت أخد الموبايل.
فجأة رفع إيده واداني قلم خلاني أخبط في الحيطة.
اتجمدت.
خمس سنين جواز أول مرة يمد إيده عليا.
بس اللي وجعني مش القلم.
اللي وجعني إنه حتى مِندمش.
ولا رمش.
قال بعصبية
أنا بقالي تلات شهور سايق وبنام في بنزانات وآكل أي زفت وإنتِ مستقبلاني كده؟
حطيت إيدي على خدي اللي بيولع.
وقلت بهدوء مخيف
إنت ماكنتش سايق تلات شهور مع بنتي.
اتجمد مكانه.
ثانية واحدة بس لكن أنا لاحظتها.
قولتي إيه؟
إنت مرجعتش كأب تعبان إنت راجع كواحد مخبي مصيبة.
مسك الشنطة ودخل الأوضة.
مش هتناقش معاكي.
جريت وراه.
لو مقولتليش داليا فين هبلغ عنك.
لف عند الباب وقال
بلّغي. نشوف مين هيصدقك.
وقفّل الباب بعنف.
فضلت واقفة في الطرقة، جسمي كله بيترعش.
ومن جوه كنت سامعاه بيفتح أدراج ويلخبط في حاجات كأنه بيدور على حاجة ضايعة.
مبكيتش.
أنا أصلًا كنت خلصت دموع من تلات شهور.
استنيت لحد ما نام.
الساعة اتنين الفجر، بدأ يشخر.
كان شارب أربع علب بيرة قدام التلفزيون المقفول.
دخلت الأوضة بالراحة.
الشنطة كانت على الأرض جنب الدولاب.
مفيهاش قفل.
قعدت على ركبتي وفتحت السوستة واحدة واحدة.
هدوم متربة إيصالات طرق أكياس شيبسي كاب معرفوش.
ريحة عرق وبنزين وتراب سخن.
قلبت كل حاجة.
ملقتش هدوم
لا البيجامة بتاعة اليونيكورن.
لا الصندل الوردي.
لا فرشتها البنفسجي.
ولا حاجة.
وبعدين لقيت جيب داخلي صغير.
فتحته
وقع على رجلي شراب أطفال.
أبيض، وعليه وردة صفرا متخيطة.
كان بتاع داليا.
عرفته فورًا
أنا اللي كنت خاطية الوردة بإيدي بعد ما اتخرم.
خدته وقربته من مناخيري.
كانت فيه ريحة رطوبة
وريحة دوا.
نفسي اتقطع.
فضلت أدور بإيدي المرتعشة لحد ما لقيت كيس أسود متطبق.
جواه إسورة مستشفى.
مكتوب عليها
طفلة مجهولة دخول مستشفى سان لويس ريو كولورادو بدون مرافق.
والتاريخ من شهرين.
شهرين.
يعني وقت ما كان بيبعتلي صور الصحرا
بنتي كانت داخلة مستشفى لوحدها.
كتمت صرختي بالعافية.
تحت الإسورة لقيت ورقة شحن.
المرسل قيصر.
المرسل إليه واحدة اسمها روزا إيميليا في مكسيكالي.
المحتويات
هدوم طفلة ومستندات.
مستندات؟!
قمت مخضوضة وروحت الصالة.
لقيت موبايلي على الرخامة.
واضح إنه كان فاكرني مكسورة وخايفة زيادة عن اللزوم.
فتحت سجل المكالمات واتصلت بآخر رقم غريب كلمني من أسبوعين.
كنت فاكرة وقتها إنه تحصيل ديون.
رن مرة مرتين تلاتة.
ست ردت بصوت واطي
مدام ماريسول؟
قلبي وقف.
أيوة مين معايا؟
سكتت شوية، وبعدها سمعت شهقة عياط.
أنا ممرضة من مستشفى سان لويس حاولت أوصل لحضرتك كتير.
مسكت الحوض عشان مقعش.
بنتي فين؟
خدت نفس طويل وقالت
بنتك مجتش المستشفى مع أبوها.
غمضت عيني.
أمال مع مين؟
وطّت
مع ست قالت إنها جدتها.
بنتي معندهاش جدة عايشة.
الست سكتت.
وبعدين قالت الجملة اللي قسمت عمري نصين
يبقى لازم تيجي حالًا لأن الطفلة متسجلة باسم تاني، وفي