جوزي اخد بنتنا

لمحة نيوز

شعرها قبل الحضانة، بصتلي في المراية وقالت
ماما؟
عيون ماما.
لو حد حاول ياخدني تاني إنتِ هتلاقيني؟
حضنتها من ضهرها وبوست راسها.
وقلت وأنا دموعي بتنزل بصمت
لو الدنيا كلها خبتك هفضل أدور عليكي لحد آخر نفس فيا.
وداليا سكتت شوية
وبعدين همست بصوت صغير أوي
أنا كنت عارفة إنك هتيجي.
بعد ست شهور من رجوع داليا البيت بقى هادي بشكل يخوف.
الهدوء اللي بعد الكوارث بيكون أوحش من الكارثة نفسها.
كل حاجة كانت بتمشي ببطء وأنا بقيت أعيش على مواعيد جلسات العلاج النفسي، وأدوية النوم الخفيفة اللي الدكتور كتبهالي، ومحاولات إني أتصرف طبيعي قدام بنتي.
بس داليا عمرها ما رجعت زي الأول.
بقت تخاف من الشبابيك المفتوحة.
من الرجالة الغرب.
من صوت المفاتيح وهي بتلف في الباب.
ولو سمعت حد بيتكلم بصوت عالي، كانت تحضن الأرنب بتاعها وتجري تختبي تحت السفرة.
وفي الليل كانت تقوم كل ساعتين تتأكد إني لسه موجودة.
تمد إيدها الصغيرة على السرير وتهمس
ماما؟
أيوة يا حبيبتي.
متسبيش الأوضة.
مش هسيبك.
وأفضل صاحيّة أبصلها وهي بتحاول تنام تاني، وكل مرة كنت بحس بالذنب كأني أنا اللي سلمتها بإيدي.
في المحكمة، قيصر حاول يبصلي أكتر من مرة.
كنت بتجاهله.
بس لما دخلوا داليا تشهد مع الأخصائية، حصل حاجة عمري ما هنساه.
أول ما شافته
صرخت.
صرخة خلت القاعة كلها تسكت.
استخبت ورايا وهي بتترعش، وفضلت تعيط بطريقة هستيرية لا لا هياخدني هياخدني
حتى القاضي وشه اتغير.
وقيصر نفسه بدأ يعيط.
بس داليا ما بصتلوش.
ولا مرة.
كأن عقلها قرر إنه مات خلاص.
بعد الجلسة، وأنا خارجة من المحكمة، لقيت واحدة ست مستنياني برا.
كانت كبيرة شوية، شعرها أبيض
ومربوط، ولابسة نضارة سميكة.
قالتلي بهدوء
إنتِ ماريسول؟
اتوترت فورًا.
أيوة.
بصت على داليا اللي نايمة على كتفي وقالت أنا كارلا الأخصائية اللي كانت مع بنتك في المستشفى.
شكرتها بسرعة وكنت همشي لكنها قالت جملة وقفتني مكاني
في حاجة لازم تعرفيها عن آخر أسبوع قبل ما نلاقي داليا.
لفيتلها ببطء.
قلبي بدأ يدق.
إيه؟
سكتت ثواني كأنها بتفكر إذا كان المفروض تقول ولا لأ.
وبعدين قالت
بنتك ماكنتش لوحدها.
الدم هرب من وشي.
يعني إيه؟
كان فيه طفل تاني معاها.
اتجمدت.
طفل؟!
هزت راسها.
ولد صغير حوالي خمس سنين. داليا كانت ماسكة إيده طول الوقت.
حسيت نفسي بدوخ.
مين الولد ده؟
محدش عارف.
قالت إنهم لما لقوا داليا في المستشفى، كانت رافضة تسيب الولد.
ولو حد حاول ياخده منها، كانت تعضّ وتصرخ.
وكل اللي كانت بتقوله إحنا لازم نستخبى قبل ما الست ترجع.
رجليا ضعفت.
الست تقصد روزا؟
غالبًا.
كارلا طلعت صورة صغيرة من ملف قديم وسلمتهالي.
إيدي كانت بترتعش وأنا باخدها.
الصورة كانت مشوشة شوية لكنها واضحة كفاية.
داليا قاعدة على كرسي المستشفى، وشعرها منكوش وعينيها وارمين من العياط وحاضنة ولد صغير أسمر، رفيع جدًا، وعينه الشمال فيها كدمة بنفسجي.
الولد كان باصص للكاميرا بخوف مرعب.
أما داليا
فكانت حاطة إيديها حوالينه كأنها بتحاول تحميه من العالم كله.
حسيت قلبي بيتقطع.
هو فين دلوقتي؟
كارلا وطّت عينيها.
اختفى.
إزاي يعني اختفى؟!
في نفس الليلة اللي جه فيها قيصر المستشفى يشوف داليا لأول مرة الولد اختفى من الرعاية المؤقتة.
نفسي اتسحب.
إنتِ بتقولي إن قيصر أخده؟!
معندناش دليل بس الكاميرات كانت بايظة وقتها.
بصيت ناحية
المحكمة.
الشرطة كانت لسه جوا وقيصر متقيد.
وفجأة، لأول مرة، حسيت إن اللي أعرفه لسه نقطة في بحر.
رجعت البيت الليلة دي وأنا مخنوقة.
فضلت أبص للصورة ساعات.
داليا كانت نايمة جنبي، حاضنة الأرنب بتاعها.
بهدوء قربت الصورة منها.
وفجأة
عينيها فتحت.
أول ما شافت الصورة، وشها اتغير.
خطفِتها بسرعة وحضنتها لصدرها.
فين ليو؟!
قلبي وقف.
مين ليو يا حبيبتي؟
بدأت تتلفت بخوف.
الست هتزعل
لا يا قلبي، مفيش ست هنا.
ليو كان بيعيط بالليل وأنا كنت بغنيله.
دموعي نزلت فورًا.
قعدت جنبها على السرير وسألتها بهدوء ليو ده صاحبك؟
هزت راسها.
بابا قالنا منطلعش صوت.
اتجمدت.
قالنا؟
إحنا كنا في الأوضة السودة.
حسيت رعشة طلعت في ضهري.
إيه الأوضة السودة؟
بدأت تلعب في صوابعي بتوتر، زي ما الأطفال بيعملوا وهم خايفين.
كان فيه باب حديد والست كانت تقفل علينا.
كل كلمة كانت بتخبط جوايا زي المطرقة.
فضلت أسألها بهدوء، وهي ترد بجمل متقطعة كان فيه أطفال تانيين. كانوا بيتنقلوا بعربيات. أوقات كانوا يختفوا وميرجعوش. روزا كانت تقولهم اللي يعيط مش هيسافر.
وفي مرة، داليا سألتني السؤال اللي قتلني
ماما هو أنا كنت هتتباع؟
حضنتها جامد وأنا بنهار من جوا.
ومعرفتش أجاوب.
تاني يوم روحت للشرطة بالصورة والكلام اللي داليا قالته.
في الأول حسيت إنهم معتبريني أم منهارة بتتخيل.
بس لما جبت اسم ليو
واحد من الضباط بص للتاني فجأة.
وقال استنى شوية.
دخل جوا، ورجع بعد عشر دقايق بملف قديم.
حطه قدامي وفتحه.
ولقيت صورة الولد.
نفس الكدمة.
نفس العيون.
اسمه الحقيقي ليوناردو راميريز.
مختفي من سنة كاملة.
أمه كانت بتدور عليه في كل حتة.
وقالت آخر
مرة شافته فيها كان مع مؤسسة خيرية عرضوا يساعدوها لأنها فقيرة.
المؤسسة طلعت وهمية.
وفي اللحظة دي كل حاجة ربطت ببعضها.
قيصر ماكنش مجرد أب باع بنته.
قيصر كان جزء من حاجة أكبر بكتير.
بدأ تحقيق جديد.
والشرطة طلبت مني أخلي بالي لأن ممكن يكون فيه ناس لسه بره.
الكلام ده خلاني مرعوبة طول الوقت.
ركبت كالون جديد.
كاميرات.
مبقتش بفتح الباب لأي حد.
وفي ليلة مطر
صحيت على صوت داليا بتصرخ.
جريت أوضتها.
لقيتها واقفة على السرير بتشاور ناحية الشباك وهي بترتعش الست هنا! الست هنا!
بصيت بسرعة.
ملقتش حد.
بس الشباك كان مفتوح.
وإحنا كنا قافلينه.
جريت قفلته وأنا قلبي هيقف.
ولما بصيت تحت
لقيت عربية سودا واقفة آخر الشارع.
النور اللي جواها كان مطفي.
لكن العربية كانت شغالة.
اتجمدت
مكاني.
وبعدين
العربية مشت ببطء.
رجعت لداليا، لقيتها مستخبية تحت البطانية وبتعيط هي قالت إنها هترجع تاخدني
حضنتها وأنا بحاول أبان قوية.
بس الحقيقة؟
أنا لأول مرة حسيت إن الكابوس لسه مخلصش.
بعدها بأسبوع، جالي اتصال الساعة ٣ الفجر.
رقم مجهول.
رديت وأنا متوترة.
ثواني صمت
وبعدين صوت راجل مبحوح قال لو عايزة البنت تعيش خليكي ساكتة.
الخط اتقفل.
إيدي تلجت.
بلغت الشرطة فورًا.
لكنهم قالوا غالبًا تخويف.
غالبًا.
الكلمة دي كانت كفاية تمنعني من النوم شهور.
وفي وسط كل ده
داليا بدأت ترسم.
الدكتورة قالت الرسم بيساعد الأطفال يطلعوا الصدمة.
في الأول كانت بترسم بيوت وشمس وقطط.
وبعدين، في يوم، وأنا بنضف أوضتها
لقيت رسمة خلت الدم يتجمد في عروقي.
بيت أسود كبير.
شبابيكه حديد.
وفيه أطفال جوه.
ورا البيت عربية حمرا.
وقدام العربية
راجل
طويل مرسوم من غير وش.
سألتها بهدوء مين ده يا حبيبتي؟
بصت للرسم وقالت الراجل اللي كان بيجيب الأطفال.
اسمه إيه؟
سكتت شوية.
وبعدين همست كانوا بينادوه الدكتور.
وفي اللحظة دي بالذات
رن جرس الباب.

تم نسخ الرابط