اللحظة اللي أمي وقفت فيها قدام
اللحظة اللي أمي وقفت فيها قدام قاضي محكمة الأسرة، وحلفت على المصحف وقالت بدم بارد بنتي دي عمرها ما لبست أفرول ولا تعرف حاجة عن الميدان، النفس هرب من صدري بسرعة لدرجة حسيت إني هقع من طولى على الأرض جنب محامي الدفاع. مابقتش سامعة صوت المستشار وهو بيتكلم، ولا سامعة صوت ورق القضية وهو بيتقلب، حتى صوت المروحة اللي في السقف اختفى تماماً من ودني، ومابقاش مسموع في دماغي غير صوت ضربات ريش طيارات الإسعاف الجوي وهي بتهز الأرض. القاعة كانت ريحتها جاز وبودرة مسح ومكتبة قديمة، وأخويا الكبير مروان قاعد ورا أمي ومربع إيده، وعلى وشه نفس الضحكة الصفرا الشمتانة اللي بيخبيها الناس للحظات اللي فاكرين إنهم هيكسروا فيها ضهرك للأبد. كان باين عليه الفخر، كأن المشهد ده هو النهاية اللي استناها سنين عشان يتفرج عليا وأنا بنهار. أنا مكنتش واقفة هنا بسبب خناقة ورث تافهة؛ أنا كنت هنا لإن جدي الله يرحمه كتبلي في وصيته البيت بتاعه وحساب استثماري صغير، وأمي مكنتش قادرة تتحمل فكرة إن في حاجة واحدة في العيلة دي خرجت عن سيطرتها وتحت طوعها.
سبع سنين كاملين خدمتهم كممرضة عسكرية وضابطة إسعاف في جبهات وكمان في عمليات سيناء. عارفة بالظبط الصوت اللي بيعمله مقص الطوارئ وهو بيقشط الهدوم
محاميتي، أستاذة دينا، كانت عارفة كل ده؛ ست ذكية، مسيطرة، ومبتخافش من التهديد. كانت لابسة سماعة طبية صغيرة ورا ودنها، وبتلمع مع إضاءة القاعة كل ما تلتفت. قبل ما الجلسة تبدأ، مالت عليا وهمست سيبيهم يتكلموا الأول. وده اللي عملته. أمي فضلت تقول للقاضي إني ألفت قصة الخدمة العسكرية دي عشان ألعب بعواطف جدي وأخليه يشفق عليا، وقالت إني كدبت في حكاية الإصابة، وفي حكاية غيابي بالسنين عن البيت والبلد في الوقت اللي العيلة كانت محتاسة فيه من غيري. وبعدين غرزت السكينة أكتر لما بدأت تتكلم عن كلام الجيران، وأصحاب الجامع، وزمايلي
بس كل ده مكنش الجزء الأوجع؛ الوجع الحقيقي لما سمعت أمي بتقول للمحكمة إنها هي اللي شالت جدي لوحدها وخدمته وهو عيان في الوقت اللي أنا كنت فيه دايرة ورا أوهامك وفاكرة نفسك بتعملي حاجة مهمة. ولثانية واحدة.. أنا عذرتها وفهمت مرارها؛ لإنها فعلاً هي اللي كانت بتوديه للدكاترة، وبتنضف وراه لما إيده تترعش وميعرفش يمسك المعلقة، وبتتخانق مع شركات التأمين، شالت شيل عيل كامل مفيش حد بيسقفله عليه.. شغل تقيل ومخفي. دينا المحامية بصتلي بلمحة سريعة، كانت عارفة إن كل المسرحية دي متمكنة ومتراجعة كويس. فجأة القاضي بصلي مباشرة وقال بهدوء هل عندك أي دليل مادي وملموس يثبت خدمتك العسكرية دي؟
القاعة كلها سكتت. قمت بهدوء، وصوابعي بتترعش وأنا بقلع الجاكيت وببعد ياقة القميص بتاعي بس عشان تظهر الندبة الطويلة اللي في كتفي؛ حتة جلد مكرمشة وميتة مكان ما الشظية دخلت فيا قبل ما الدكاترة يفتحوا ويطلعوها. مكانش شكلها سينمائي ولا فيه بطولة، كانت حاجة مشوهة ودائمة. أمي ضحكت، ضحكت بجد وقالت دي ممكن تكون من أي حادثة عادية. كنت كابسة
وش أمي هرب منه الدم تماماً في ثواني، ومروان بطل يبتسم. دينا حطت إيدها على الظرف الأخير ده بس مأعلنتش عن اللي جواه، كانت مأخراه لسبب صدمة تانية خالص. المستشار مسك فتحة الجوابات، ولأول مرة من الصبح، أمي تبصلي أنا في عيني مباشرة مش كأنها بتبص في الفراغ. وقتها دينا اتكلمت وقالت بثبات هز القاعة سيادة المستشار.. قبل ما تفتح الظرف ده.. في شاهد أخير واقف برة ومستني الإذن بالدخول. أنا كنت عارفة بالظبط مين الشاهد ده، بس أمي ومروان مكنوش يعرفوا.. ويا ترى الشاهد ده هيقول إيه يقلب الطاولة ويغير مجرى القضية كلها؟ وإيه السر اللي جوة الظرف الثالث اللي أمي مكنتش تتوقع وجوده أصلاً؟ الحقيقة لما بتدخل، بيبقى ليها صوت مرعب مبيسمعوش غير الظالم.
المستشار رفع عينه من على