اللحظة اللي أمي وقفت فيها قدام

لمحة نيوز

الملفات وقال بهدوء
ندخل الشاهد.
باب القاعة اتفتح ببطء
ودخل راجل طويل، شعره مخلوط بشيب خفيف، لابس بدلة عسكرية رسمية، وعلى صدره نياشين أكتر من إن حد يعدها بسرعة.
أول ما شوفته
نفسي اتقطع.
العقيد ياسر الدمنهوري.
القائد اللي كنت فاكرة إنه مات في آخر مأمورية لينا في سيناء.
القاعة كلها وقفت تقريبًا من رهبة حضوره، حتى أمين السر بطل يكتب للحظة.
أما أمي
فاتسمرت مكانها.
العقيد وقف قدام القاضي وأدى التحية العسكرية بثبات، وبعد القسم قال
أنا القائد المباشر للرائد الطبي ليلى سالم.
اسم الرتبة نزل على القاعة زي القنبلة.
مروان اتحرك بعصبية وقال
كذب! دي بتمثل!
لكن العقيد حتى مبصّلوش.
فتح ملف صغير كان شايله وقال
الرائد ليلى شاركت في سبع عمليات إخلاء ميداني تحت نيران مباشرة وأنقذت أرواح أكتر مما أقدر أعد.
المستشار بصلي لأول مرة بنظرة مختلفة.
مش شفقة
احترام.
العقيد كمل
الإصابة اللي في كتفها حصلت أثناء عملية إنقاذ لجنديين بعد انفجار عبوة ناسفة. ورفضت تسيب الموقع غير لما آخر مصاب اتركب الطيارة.
سكت شوية
وبعدين قال الجملة اللي خلت إيدي ترتعش
وأنا واحد من الناس اللي عايشين بسببها.
أمي فتحت بقها كأنها هتتكلم، لكن مفيش صوت خرج.
أما مروان، فوشه بقى أحمر وهو بيقول
طيب
ما يمكن كل ده متفقين عليه!
ساعتها دينا ابتسمت لأول مرة.
ومدت إيدها ناحية الظرف التالت.
قالت بهدوء
عشان كده الظرف الأخير مهم.
فتحت الظرف
وطلعت منه فلاشة صغيرة، ورسالة بخط إيد جدي.
أنا نفسي أول ما شفت الخط
ركبي ضعفت.
المستشار طلب تشغيل الفلاشة.
الشاشة الصغيرة اللي في القاعة نورت
وفجأة ظهر جدي.
قاعد على كرسيه القديم في الجنينة، البطانية على رجليه، ونظارته ميلة شوية زي عادته.
صوت شهق أمي كان واضح.
جدي بص للكاميرا وقال بصوته المتعب
لو الفيديو ده بيتعرض يبقى أنا غالبًا مبقتش موجود.
القاعة كلها سكتت.
حتى صوت المروحة رجع مسموع من كتر الهدوء.
جدي كمل
أنا سجلت الكلام ده بكامل إرادتي عشان محدش يظلم ليلى بعدي.
بصيت للأرض وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع.
قال
بنتي الكبيرة تعبت معايا، وده عمره ما هيتنكر لكن ليلى كمان شالت اللي محدش شافه.
أمي دموعها نزلت فجأة رغم عنها.
وجدي كمل
كل مرة كانت بترجع من الخدمة، كانت تدخل أوضتي بالليل تتأكد إني اتعشيت وخدت دوايا حتى وهي نفسها مصابة.
لف شوية ناحية الكاميرا وقال
ليلى باعت دهبها مرة عشان تدفع تمن علاج ليا لما التأمين اتأخر من غير ما تقول لحد.
أنا غمضت عيني.
حتى دينا نفسها بصتلي بدهشة
هي ماكنتش تعرف الحكاية دي.
جدي
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
البيت والحساب اللي سبتهم ليها مش شفقة. ده حقي ليها. عشان لما كل الناس كانت بتجري على حياتها، هي كانت بتجري ناحية الموت عشان تنقذ ناس متعرفهمش.
بعدها سكت ثواني
وبعدين قال آخر جملة
وأصعب حاجة مش إن الغريب يظلمك أصعب حاجة لما أهلك ما يشوفوش قيمتك غير لما تضيع.
الفيديو وقف.
والقاعة كلها كانت ساكتة بشكل موجع.
أمي كانت باصة للأرض وبتعيط لأول مرة من أول الجلسة.
أما مروان
فكان بيبص حواليه بعصبية كأن الأرض بتسحب منه.
المستشار قفل الملف بهدوء وقال
المحكمة اكتفت.
وبعد مداولات قصيرة
صدر الحكم.
تثبيت الوصية كاملة باسمي.
ورفض كل ادعاءات الطعن.
وإثبات صحة مستندات خدمتي العسكرية رسميًا.
لكن الغريب
إن الانتصار ماكانش طعمه حلو زي ما تخيلت طول السنين.
بعد الجلسة، الناس اتلمت حواليا.
صحفيين.
ضباط.
موظفين من المحكمة.
كلهم بيبصوا بإعجاب.
وأمي
كانت واقفة لوحدها بعيد.
بصتلها للحظة.
وشها كان مكسور بشكل عمره ما اتكسر قدامي قبل كده.
قربت مني بخطوات بطيئة وقالت بصوت مخنوق
أنا كنت خايفة.
سألتها بهدوء
خايفة من إيه يا أمي؟
ردت وهي بتبكي
إنك تبقي أقوى مني وإن أبوكي يحبك أكتر.
الكلمة خبطتني جوايا.
لأول مرة
فهمت إن كل القسوة دي كان وراها خوف
قديم وعجز عمره ما اتحكى.
مروان حاول يقاطعنا بعصبية، لكن أمي لفّتله فجأة وقالت
اسكت يا مروان كفاية.
دي كانت أول مرة في حياتي أسمعها تقف ضده عشاني.
بعد شهور
بعتّ البيت القديم يتجدد بدل ما يتباع، وحولت جزء منه لمركز تأهيل مجاني للمصابين النفسيين من العسكريين والمسعفين.
وسميته
بيت النجاة.
أما الحساب الاستثماري
فاستخدمته عشان أعمل منح دراسية لبنات فقدوا أهلهم.
كنت عارفة يعني إيه الوحدة
ومكنتش عايزة حد يعيشها زيي.
العقيد ياسر بقى يزور المركز أحيانًا، وكل مرة كان يبصلي بنفس النظرة اللي فيها احترام أكتر من الكلام.
أما أمي
فالعلاقة بينا ما رجعتش زي الأول.
بس بقت أهدى.
في يوم، دخلت عليا المطبخ وأنا بعمل قهوة، وبصتلي فجأة وقالت
الندبة لسه بتوجعك؟
لمست كتفي بهدوء وقلت
أوقات.
سكتت شوية
وبعدين لأول مرة من سنين مدت إيدها ولمست كتفي بحذر كأنها شايفة الجرح بجد لأول مرة.
وقالت
سامحيني.
ما رديتش وقتها.
لكنني لأول مرة
ما حسّتش بغضب.
وفي ليلة هادية، وقفت لوحدي فوق سطح البيت القديم.
الهواء كان بارد، وصوت المدينة بعيد.
طلعت البطاقة العسكرية من المنديل القديم اللي كنت مخبياها فيه سنين.
بصيت لصورتي الصغيرة عليها
ثم ابتسمت.
لأني أخيرًا فهمت حاجة مهمة جدًا
مش
كل معركة بننتصر فيها لما المحكمة تحكم لصالحنا
بعض المعارك بننتصر فيها،
لما نبطل نحاول نثبت قيمتنا لناس قرروا ما يشوفوهاش من البداية.

تم نسخ الرابط