حفلة التخرج
حفلة التخرج
كان عندي تمنتاشر سنة يوم حفلة التخرج واليوم ده كان المفروض يبقى أسعد يوم في حياتي.
بس الحقيقة؟
أنا كنت داخل القاعة وقلبي بيرتعش من الخوف أكتر من الفرح.
الكل كان جاي مع أهله أبوه لابس بدلة شيك، أمه بتتصور معاه، أخواته بيزعقوا باسمه ويضحكوا.
أما أنا، فكنت ماشي جنب ست كبيرة شعرها كله أبيض، ماسكة شنطة قديمة صغيرة بإيديها الاتنين وكأنها خايفة تقع منها.
دي كانت جدتي.
الحاجة ميرفت.
الإنسانة الوحيدة اللي فضلتلي من الدنيا كلها.
أمي ماتت وأنا لسه طفل بيتلف في البطانية، وأبويا اختفى من قبل حتى ما أعرف يعني إيه كلمة بابا.
كبرت وأنا معرفش شكل العيلة الحقيقي، غير من الحاجة ميرفت.
كانت هي كل حاجة.
الأم والأب والبيت والأمان.
صحيتني للمدرسة سنين طويلة قبل الفجر، وكانت تنزل تشتغل وهي تعبانة عشان تجيبلي المصاريف والكتب والهدوم.
كانت تضحكلي حتى وهي مرهقة، وتقول
إنت بس ذاكر يا حبيبي وأنا هشيل الدنيا فوق دماغي عشانك.
وهي
شالت الدنيا.
اشتغلت عاملة نظافة في المدرسة اللي كنت بتعلم فيها.
وأيوه ده كان سبب كافي يخلي ناس كتير تتريق.
كنت كل يوم أسمع كلام يوجع.
ابن عاملة النظافة أهو.
أكيد بيغسل الفصل ببلاش.
شوف هدومه واضح إن ريحتها منظفات.
والأصعب من الكلام نظرات الشفقة.
كنت أوقات أرجع البيت ساكت.
تقعد جنبي وهي تحاول تفهم مالي، وأنا أبتسم وأقول
مفيش يا تيتة مجرد تعب مذاكرة.
لأني عمري ما كنت قادر أكسر قلبها بالحقيقة.
هي كانت فخورة بشغلها.
كانت تقول دايماً
الشغل عمره ما كان عيب يا ابني العيب إن الواحد يأذي حد أو يسرق تعب غيره.
الكلمة دي فضلت محفورة جوايا سنين.
عدت الأيام بسرعة.
ولقيت نفسي واقف قدام يوم التخرج.
الناس كلها كانت بتحضر للحفلة من شهور.
مين هيرقص مع مين مين هيقعد على أي ترابيزة مين لابس أغلى بدلة.
وأنا؟
كل اللي كنت بفكر فيه شخص واحد بس.
الحاجة ميرفت.
لأنها تستحق تشوف اللحظة دي أكتر من أي حد تاني.
لما قلتلها تيجي معايا، رفضت
في
قالت وهي بتهز راسها
يا حبيبي دي ليلة شباب هعمل إيه أنا هناك؟
لكن بعد إلحاح طويل، وافقت.
وقبل الحفلة بيوم، طلعت فستان قديم من الدولاب.
فضلت تنظفه وتكويه بإيديها ساعات طويلة.
كنت واقف أبصلها وهي بتحاول تخبي توترها.
قالتلي بخجل
يا رب بس ميبقاش شكلي وحش وسط الناس.
ابتسمت وقتها وقلت
إنتِ أجمل حد هيكون موجود هناك.
ضحكت وهي بتضربني بخفة على كتفي.
وفي يوم الحفلة
وصلنا القاعة.
أول ما دخلنا، حسيت العيون كلها علينا.
بعضهم بص باستغراب.
وبعضهم ابتدى يهمس.
واحدة قالت لصاحبتها وهي فاكرة إني مش سامع
دي مش الست اللي بتنضف المدرسة؟
والتانية ضحكت.
جدتي حاولت تتظاهر إنها مش واخدة بالها.
لكن أنا كنت شايف الحزن في عينيها.
قعدنا على ترابيزة بعيدة شوية.
وهي طول الوقت تقوللي
روح يا حبيبي اتصور مع أصحابك ومتقعدش جنبي.
لكن أنا مكنتش عايز غيرها.
وبعد شوية بدأت الموسيقى تعلى.
الكل نزل يرقص ويضحك.
بصيت لجدتي.
كانت قاعدة لوحدها
تتابع الناس
قمت من مكاني ومديت إيدي ليها.
ترقصي معايا؟
اتوترت وضحكت بخجل
أنا؟! يا واد بطّل هزار.
مش بهزر.
مسكت إيدي وقامت ببطء.
وفي اللحظة دي
الضحك انفجر حوالينا.
واحد قال بصوت عالي
يا نهار أبيض! جايب جدته يرقص معاها!
وواحد تاني قال
دي حفلة تخرج ولا عيد ميلاد في دار مسنين؟
الضحك زاد أكتر.
وحسيت بإيد جدتي بتترعش جوا إيدي.
بصتلي وقالت بصوت مكسور
خلينا نمشي يا حبيبي عادي والله.
لكن جوايا كان فيه حاجة اتكسرت.
سيبت إيدها بهدوء وروحت ناحية المسرح.
طلبت من ال يوقف الموسيقى.
القاعة سكتت.
مسكت المايك وقلبي بيدق بعنف.
بصيت للناس كلها.
وقلت
عارفين الست اللي بتضحكوا عليها دي؟
القاعة بقت هادية تماماً.
كملت وأنا ببص لجدتي
الست دي صحيت كل يوم الساعة خمسة الفجر لمدة أكتر من اتناشر سنة عشان تخليني أوصل لليلة دي.
محدش اتكلم.
الست دي كانت بتمشي مسافات طويلة عشان توفر تمن الدروس. وكانت ساعات تكدب عليا وتقول إنها شبعانة بس كنت بعرف
الناس بدأت تبص لبعضها في صمت.
إنتوا شايفين عاملة