المراية اتشرخت
المراية اتشرخت قبل ما أنا أتشرخ.
جوزي، طارق المنياوي، كان واقف قدامي في الحمام الضيق، وصوته العالي مالي المكان، ولحظة ما خبط بإيده جنب الحوض بعصبية، الإزاز القديم في المراية اتفلق بخط رفيع قسم صورتي نصين.
وقفت مكاني متسمرة، وقلبي بيدق بعنف. كل ده عشان سألته سؤال واحد.. جملة واحدة بس
طارق، هي قبضك فين؟
الحمام كانت ريحته مخنوقة ببخار السجاير ومعجون الحلاقة القديم. موبايله اتهز فوق الرخامة، والشاشة نورت باسم جديد عمري ما شفته قبل كده.
في اللحظة دي، دخلت حماتي، نادية، من غير حتى ما تخبط.
ما سألتش في إيه. ما حاولتش تهدي الجو.
عدّت جنب المراية المشرخوخة، ووقفت تزبط شعرها المصبوغ قدام الجزء السليم منها، وقالت ببرود كبري دماغك يا نورا، الرجالة ضغوطها كتير.
وراها على طول دخل حمايا، رأفت المنياوي، وهو شايل أكياس طلبات وأكل، كأنه داخل قعدة عادية جدًا، وقال لطارق سيبك من الكلام الكتير، وتعالى اقعد.
في اللحظة دي في حاجة جوايا اتجمدت.
بقالى ست سنين بخلق لهم أعذار. أقول طارق مضغوط. ونادية
لكن وأنا واقفة قدام المراية المشرخوخة، اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت في لحظة غضب عابرة المشكلة كانت في بيت كامل متعود يتجاهل أي وجع مش مناسب لصورته المثالية.
طارق قرب مني وقال بصوت واطي كله تهديد مبطن ياريت ما تدخليش أخوكي في أي حاجة تخص بيتنا.
بصيتله بثبات لأول مرة وليه؟
سكت ثانية. الثقة اللي في عينه اتهزت.
إيدي اتحركت بهدوء لجوه جيب الروب. مش علشان منديل لكن علشان ميدالية المفاتيح اللي أخويا مازن ادهالي من شهرين، وقال وقتها
لو حسّيتي إنك مخنوقة أو لوحدك دوسي الزرار ده.
كان زرار استغاثة صغير ومستخبي.
طارق لمح حركة إيدي. وعينه نزلت على جيبي.
وفي نفس اللحظة اللي دوست فيها على الزرار النور قطع في البيت كله، والضلمة لفت المكان.
اللي طارق ماكنش يعرفه إن زرار الاستغاثة ده ماكانش مجرد إنذار.
كان بداية النهاية لحياة كاملة كنت بخاف أواجه حقيقتها.
الضلمة نزلت على البيت مرة واحدة، تقيلة وكاتمة، لدرجة إني سمعت صوت أنفاسهم قبل ما أشوفهم.
طارق شتم بصوت عالي، وخبط بإيده على الحيطة إيه القرف ده؟!
ونادية قالت بتوتر وهي بتحاول تفتح كشاف موبايلها أكيد الكهربا قطعت في الشارع كله.
لكن أنا كنت عارفة إن ده مش عطل عادي.
زرار الاستغاثة اللي مازن اداهولي كان مربوط بنظام صغير عاملينه في الإدارة للحالات الطارئة. أول ما بيتداس عليه، بيبعت لوكيشن مباشر، ويفصل الكهرباء من القاطع الذكي اللي راكبه أخويا بنفسه لما جه يزورنا آخر مرة بحجة تعديل الوصلات.
وقتها كنت مستغربة. دلوقتي فهمت.
سمعت صوت طارق بيتحرك ناحيتي في الضلمة، لكن قبل ما يوصل، نور أبيض قوي ضرب البيت كله من بره.
نور كشافات عربية.
وبعدها دقات تقيلة على الباب.
دقة. اتنين. تلاتة.
ورنة صوت رجالي جهوري افتح يا أستاذ طارق.
البيت سكت.
حتى أنفاس نادية وقفت.
رأفت قرب من باب الحمام وقال بصوت واطي مرتبك مين؟
الصوت رد بهدوء افتح بس.
قلبي كان بيدق بعنف، بس لأول مرة من سنين الخوف ماكانش مسيطر عليا لوحدي.
طارق جري ناحية الصالة، وأنا لسه قاعدة على الأرض، حاسة بجسمي كله بيوجعني، لكن
سمعت صوت تخابيط، وهمس متوتر، وبعدين نادية قالت بسرعة قولهم نايمين! قول أي حاجة!
لكن الباب الخارجي اتفتح بالمفتاح.
مفتاح.
مازن.
دخل هو الأول، لابس جاكيت أسود بسيط، وشه جامد بطريقة خوفتني وطمّنتني في نفس الوقت. وراه اتنين من زمايله، لكن الغريب إنهم ماكانوش داخلين بعنف ولا عاملين دوشة.
كانوا هاديين جدًا.
وده اللي خوّف طارق أكتر.
عين مازن جت عليا وأنا على الأرض. وشه اتغير للحظة ثانية واحدة بس. بعدها رجع جامد تاني.
قرب ناحيتي بهدوء، قلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتفي، وقال بصوت منخفض قادرة تقفي؟
هزيت راسي بصعوبة.
ساعدني أقوم، بينما طارق بدأ يتكلم بسرعة يا مازن، الموضوع مش زي ما هي فهمته
مازن رفع إيده. وسكت طارق فورًا.
الغريب إن أخويا مازعقش. ماهددش. ماعملش أي مشهد.
بص حواليه بس على الإزاز المكسور. على الدم. على الرخامة. على القزازتين اللي في إيد رأفت.
وبعدين قال جملة واحدة تمام.
الجملة كانت أبرد من التلج.
نادية حاولت تدخل يا ابني دي مشاكل بيوت
لكن واحد من اللي