المراية اتشرخت
فندم.
الكل سكت.
أنا بصيت باستغراب.
مازن بصلي للحظة وقال فاكرة لما قولتلك ماتخافيش لو احتجتي الجهاز؟
افتكرت.
من شهرين، لما جيه يقعد معايا في البلكونة بعد ما لاحظ إني بقيت منطوية وساكتة طول الوقت.
سألني يومها أنتِ مرتاحة هنا يا نورا؟
وكذبت. قولتله آه.
بس الظاهر إن عيون الأخوات عمرها ما بتتخدع.
الجهاز اللي اداهولي ماكانش بس استغاثة. كان بيسجل الصوت أول ما بيتفعل.
ورأفت فهم ده متأخر جدًا.
وشه اصفر وهو بيقول تسجيل إيه؟! هو احنا مجرمين؟
مازن بصله بمنتهى البرود دي إجراءات حماية.
وبعدين لف ناحيتي هتاخدي حاجتك وتمشي معايا.
الجملة دي كانت بسيطة جدًا لكنها وقعت جوايا كأن حد فتح شباك في أوضة مقفولة بقالها سنين.
نادية اتوترت تمشي إيه بس؟! الناس هتقول علينا إيه؟
ولأول مرة من وقت جوازي ضحكت.
ضحكة صغيرة، تعبانة، لكنها حقيقية.
وبصيتلها وأنا بقول الناس؟
سكتت.
لأن
مازن خدني أوضتي أجيب هدومي. وأنا داخلة، حسيت قد إيه الأوضة دي عمرها ما كانت أوضتي فعلًا.
كل حاجة فيها كانت عاملة زي ديكور متثبت فوق روحي.
الدولاب. الستاير التقيلة. النجفة الدهب. حتى صور الفرح.
وقفت قدام الصورة الكبيرة المعلقة جمب السرير. أنا وطارق يوم الفرح. أنا بابتسامة واسعة متوترة. وهو باصص للكاميرا بثقة زيادة عن اللزوم.
مديت إيدي، وفكيت الصورة من المسمار.
مازن كان واقف عند الباب ساكت.
قلتله عارف أكتر حاجة مخوفاني؟
قال إيه؟
بلعت ريقي إني معرفش أنا مين برا البيت ده.
ولأول مرة من زمان، أخويا ابتسم ابتسامة هادية وقال يبقى نكتشف.
خرجت من البيت من غير خناقات. من غير صويت. من غير نهاية درامية.
بس وأنا بعدي من جنب المراية المشرخوخة في الحمام، وقفت ثانية.
الشرخ كان قاسم صورتي نصين فعلًا.
لكن الغريب إني لأول مرة حسيت إن النصين دول ممكن يرجعوا يبقوا شخص واحد.
عدت أول أسبوع وأنا عند أمي كأني خارجة من عملية جراحية طويلة.
الكل بيتعامل معايا بالراحة. أمي تدخل الأوضة كل شوية تسألني عايزة تاكلي؟ تشربي حاجة؟ أفتحلك الشباك؟
وأنا مش عارفة أجاوب.
كنت بصحى من النوم مفزوعة أحيانًا، مستنية صوت خناق أو توتر أو حد يلومني على حاجة.
لكن البيت كان هادي.
هادي أوي.
وفي الهدوء ده، بدأت أسمع نفسي لأول مرة.
مازن ماكانش بيسألني كتير. كان بس موجود. يسيبلي قهوة على المكتب. يبعتلي لينكات شغل. يفتح التلفزيون على فيلم قديم ويقعد جنبي من غير كلام.
لحد يوم، دخل عليا وقال في مكان عايزك تشوفيه.
أخدني بعربيته لورشة صغيرة على البحر في بورسعيد. مكان كله خشب وألوان وإزاز.
ست كبيرة اسمها دولت كانت واقفة بتعمل وحدات إضاءة من الإزاز المكسور.
فضلت باصة لها باستغراب وهي بتركب
قولتلها ده شكله صعب.
ابتسمت من غير ما تبصلي الحاجات المكسورة ساعات بتطلع أجمل.
الجملة لمست حاجة جوايا.
قعدت معاها يوم. وبعدين يومين. وبعدين أسبوع كامل.
بدأت أتعلم إزاي أقطع الإزاز، وأشكله، وأركبه في لوحات ولمض.
إزاز مكسور بس بيتحول لحاجة بتنور.
وكل مرة كنت بمسك قطعة حادة بإيدي، كنت بحس إني بلملم نفسي أنا كمان.
بعد شهور، بقي عندي ركن صغير في الورشة. وعلى أول لمبة عملتها لوحدي، علقت سلسلة فضية صغيرة على شكل نص قمر.
دولت سألتني ليه نص؟
ابتسمت وقلت عشان النص التاني لسه بيرجع.
وفي ليلة شتوية بعدها بسنة تقريبًا، كنت واقفة قدام واجهة محل صغير باسمي.
نورا جلاس آرت.
الأنوار اللي جوه طالعة دافية وهادية. والإزاز الملون معلق كأنه شمس صغيرة.
أمي كانت بتعيط من الفرحة. مازن واقف بعيد مبتسم وهو بيشرب قهوته.
ولما سألته إيه رأيك؟
بص للمحل
هزيت راسي.
قال اهي اتصلحت بس بشكل أحلى.
تمت.