عاملة فيها سيدة أعمال

لمحة نيوز

.عاملة فيها سيدة أعمال وناجحة وإحنا مش لاقيين ناكل! صرخت بالكلمتين دول وهي بتهد فاترينة الحلويات فوق دماغي، والزجاج بيتفجر في كل حتة، كتفي اتمزج ووشي بدأ ينزف دم، بس م اتهزتش ولا رمشت، كل اللي عملته إني رميت فايل كشف الحسابات وسط الزجاج المكسر قدام زباين المحل كلهم، وفضحت ال 247 ألف دولار اللي كنت بأكلهم بيهم وهما عايشين في كدبة كبيرة ومظاهر كدابة على حِساب شقايا!
زرار إلغاء التحويل الأحمر كان بينور على شاشة تليفوني زي إنذار الحريقة وسط الضلمة. لسه فاكرة ريحة الستان والبرفان جوه أتيليه فساتين العرايس في مصر الجديدة، التل الأبيض كان لافف حواليّ والخياطة عمالة تظبط ديل الفستان وتثبته بالدبابيس عشان البروفة الثالثة، والمزيكا الهادية شغالة في الخلفية. وفي وسط كل الفرحة دي، أمي دخلت دمرت كل حاجة بمكالمة تليفون مدتها اتنين وتلاتين ثانية بالثانية. إحنا مش هنقدر نيجي الفرح يا فريدة. قالتها كدة، من غير تردد، من غير أسف، ومن غير أي حياء. أنا فريدة، عندي اتنين وتلاتين سنة، صاحبة محل حلويات شمس الفجر في شارع السد بوسط البلد، وبقالي تمن سنين كاملين بصرف على ناس مبيعتبرونيش أكتر من مكنة فلوس بتتنفس. ألفين ونص دولار كل أول شهر، تحويل أوتوماتيك الساعة ستة الصبح زي الساعة، وده غير المصاريف الزيادة والسبوبة اللي ملهاش آخر؛ عشرة آلاف دولار دفعتهم ل زنقة جوازة أختي كارما في فندق الفورسيزون، ومقدم عربية أبويا الزيرو بعد ما قال ضهره وجعه ومبقاش قادر على المشي، واشتراك النادي اللي أمي حلفت إنه مهم عشان المنظرة والناس الكبار اللي هناك، ومشاكلهم اللي مبتخلصش ودايماً بتلبس فيا أنا. الناس فاكرة إن الاستغلال بيجي بزعيق وخناق، بس الحقيقة إنه بيجي متداري في وش الأهل، وده اللي بيخليه سم قاتل. أختي الصغيرة كارما كانت دايماً هي محور الكون في بيتنا، يتعمل لها أعياد ميلاد بفرقة ومصاريف وأنا شغالة شيفتات ورا بعض وعندي أربعتاشر سنة عشان أساعد، يجي لها عربية زيرو وهي عندها ستة عشر سنة وأنا بتعلم إزاي أمشي حالي بكيس أندومي على تلات أيام أيام الكلية. ورغم كل ده، فضلت أحاول أرضيهم، ودي كانت الحتة اللي بتذلني قدام نفسي؛ كنت

فاكرة إني لو أديت أكتر، هيحبوني في يوم من الأيام زي ما بيحبوها. شريف خطيبي شاف اللحظة دي بالظبط، اللحظة اللي في حاجة جوايا ماتت واتكسرت لمليون حتة، كان واقف جنب المراية ببدلته الشيك، وحاطط إيده في جيبه، وبيبص لي وأنا مبرقة في التليفون كأنه عدوي. فريدة؟ سألني بصوت واطي، معرفتش أرد عليه، وصوت أمي لسه بيرن في ودني جوز كارما عامل حفلة وعازم مستثمرين كبار في الويك إند ده، ومحتاجانا نقف جنبه، كارما أولى بينا. فرحي كان يوم 15 يونيو، وعيد ميلاد كارما كان 17 يونيو، ومفيش حاجة من دي حصلت بالصدفة. الأتيليه فجأة بقى خنقة وصهد، النفس ضاق بيا تحت طبقات الدانتيل والستان، بصيت لوشي في المراية ولقيت نفسي باين عليا الهلاك مش الفرحة. أهل شريف هما اللي وقفوا جنبي وساعدوني أأجر محل شمس الفجر لما البنوك كلها قفلت الباب في وشي، أمه قضت معايا ليالي تدهن الحيطان بإيدها وأهلي نسوا يوم الافتتاح أصلاً. المقارنة بقت مستحيلة تتقبل؛ دي مش غفلة ولا سوء تفاهم، دي تفرقة واضحة وأنا بقالي تمن سنين بمولها من دمي. صباعي ثبت فوق زرار التحويل الشهري لعيلة رضوان، الحسابات، التواريخ، الإشغالات الرقمية، تمن سنين من الدليل القاطع. دوست إلغاء. ودخلت على الإعدادات وعملت حظر نهائي للحسابين من حساب شركتي. خلاص. لأول مرة من يجي عشر سنين، حسيت إن الأكسجين دخل صدري بجد. شريف مهيصش، بس طبطب على كتفي بحنية، كأنه عارف إن العاصفة لسه هتبدأ، لأن الناس اللي اتعودت على تضحيتك وعايشة على قفاك، عمرها ما هتقبل بحدودك بالذوق. أول تحويل رجع ومقبلش بعدها بتلات أيام. الساعة 714 الصبح، أمي سابت لي ست رسائل صوتية كلها شتيمة. الساعة 803 الصبح، كارما بعتت أمي بتقول حسابك فيه مشكلة. الساعة 811 الصبح، أبويا بعت إيميل بيسألني لو كنت بمر ب أزمة نفسية ومحتاجة دكتور. نفضت لهم كلهم. السكوت ده دام ست أيام بالتمام والكمال، لحد ما جه يوم السبت. المحل كانت ريحته زبدة وقرفة وإسبريسو على الصبح، وفاترينة القزاز بتلمع تحت الإضاءة والزباين واقفة طابور عشان كرواسون بالفراولة. كنت بلف أوردر لزبونة اسمها مدام جيهان، وفجأة باب المحل اترزع روعة هزت الشبابيك كلها. أمي دخلت
الأولى، ووراها كارما، والغل باين في وشوشهم. كارما كانت لابسة هيلز ماركة ونظارة شمس مغطية وشها رغم إن الجو كان مغيم، وأمي ماسكة شنطتها الجلد بقوة لدرجة إن صوابعها ابيضت. الكلام سكت فجأة في المحل، وصوت مكنة القهوة بقى عالي ومسموع وسط السكوت ده. يا جاحِدة يا أنانية، أمي زعقت في وشي، وقبل ما أنطق بكلمة، كارما مدت إيدها وطوحت فاترينة العرض الكبيرة كلها في الأرض. الزجاج اتفجر على البلاط، والناس شهقت عند الكاشير، وطفل صغير مسك في دراع أبوه برعب. محدش اتهز. المحل كله اتجمد في اللحظة المرعبة دي اللي الفضيحة فيها بتثبت الناس مكانها. الزبونة وقفت وهي بتمضي الريسيت، والبنت الشغالة ورا المكنة بصت في الأرض كأنها بتستخبى عشان متتحطش في الموقف. وأمي لسه بتصرخ بأعلى صوتها عاملة فيها سيدة أعمال وناجحة وإحنا مش لاقيين ناكل! مش لاقيين ناكل! الكلمة رنت في مكان هما متحملوش فيه طوبة واحدة ولا ساعدوا في بنياه. حسيت بطعم الدم في بقي مكان ما خدي خبط في حرف الكاونتر وأنا بقع، وفجأة م حسيتش بأي غضب، في حاجة بردت جوايا، سكون غريب. نزلت بالراحة وسط الزجاج المكسر، ومديت إيدي تحت مكتب الكاشير، وطلعت الفايل الأزرق بتاع الحسابات اللي شريف أقنعني أجهزه من تلات أيام. جوه الفايل ده كان في كشوفات تمن سنين كاملين من التحويلات، وصولات استلام، شيكات، واسكرينات لكل مليم طلع من حسابي ليهم تحت اسم مصاريف عيلة رضوان. 247 ألف دولار. رميت الفايل كله فوق الزجاج المكسر، والورق اتطوح واتفرد في كل حتة، والزباين بدأت توطي وتقرأ الأرقام والتواريخ. ولأول مرة من يوم ما كان عندي أربعتاشر سنة، أهلي عرفوا إن الناس اللي حواليهم شافت الحقيقة، وعرفت مين اللي كان بياكل من خير مين بجد. وفي اللحظة دي بالذات، باب المحل اتفتح تاني، والدم هرب من وش كارما وأمي تماماً، لأن الراجل اللي دخل مكنش زبون، ده كان شايل في إيده ملف رسمي عليه شعور مباحث الأموال العامة ومكافحة النصب والاحتيال...
دخول الشرطة للمحل في اللحظة دي مش عشان يلموا الزجاج المكسر، ده عشان يفتحوا دفاتر قديمة وعقود شركات وهمية، والفايل الجديد اللي اتفتح على التربيزة هيقلب السحر على الساحر
وهيخلي اللي فاكر نفسه ذكي يدفع الثمن غالي ومن جوه الحبس!
لو عاوزين تعرفوا إيه اللي هيحصل مع فريدة وأهلها ومين اللي ورا البلاغ اللي هيقلب عيلتها، 
أول ما الراجل دخل، المحل كله سكت.
حتى أمي اللي كانت بتصرخ من ثواني اتقطعت أنفاسها.
الراجل كان في أواخر الأربعينات، بدلة رسمية، ونظرة جامدة متعودة على المفاجآت والفضايح.
رفع البطاقة قدام الكل وقال
المقدم حسام عبدالسلام... مباحث الأموال العامة.
بص ناحية أمي وكارما مباشرة.
مدام سعاد رضوان؟
أمي بلعت ريقها.
أيوه... خير؟
فتح الملف اللي في إيده.
مطلوب من حضرتك ومن الأستاذة كارما التفضل معانا لسماع أقوالكم في بلاغ مقدم بخصوص شركة استثمار وهمية وتحويلات مالية غير مشروعة.
كارما شهقت.
إيه؟! شركة إيه؟
المقدم رفع ورقة من الملف.
شركة النور للتسويق العقاري.
في اللحظة دي وش كارما فقد لونه بالكامل.
أنا بصيت لها لأول مرة باستغراب.
لأن الاسم ده ماكنتش أعرفه.
المقدم كمل
تم جمع أموال من عدد من المستثمرين مقابل وعود بأرباح غير حقيقية، والتحريات أثبتت وجود تحويلات مالية على حسابات مرتبطة بالشركة.
أمي بدأت تتلخبط.
إحنا مالنا بالكلام ده؟
رد بهدوء
ده اللي هنعرفه في التحقيق.
كارما كانت بترتعش.
وشريف اللي كان واقف جنب الباب قرب خطوة.
بصيت له.
وبصلي.
وفهمت.
هو كان عارف.
لكن ما قالش حاجة.
مش خوفاً عليا...
كان بيجهز كل حاجة قانوني.
المقدم التفت ناحيتي.
أستاذة فريدة.
نعم.
حضرتك مالكيش أي علاقة بالبلاغ.
سكت ثانية.
لكن في احتمال تكوني من المتضررين.
الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة.
متضررة إزاي؟
فتح الملف.
وأخرج كشوف حسابات.
ورقة.
واتنين.
وعشرة.
وعشرات.
وبدأ يحطهم فوق الكاونتر.
من خلال التحريات اكتشفنا إن جزء كبير من رأس المال المستخدم في الشركة الوهمية مصدره تحويلات منتظمة خارجة من حسابك.
قلبي دق بقوة.
بصيت في الورق.
وأدركت الحقيقة.
أمي وكارما ماكانوش بيصرفوا الفلوس على معيشتهم بس.
كانوا بيستخدموا جزء منها في شركة وهمية أسسها جوز كارما مع شريكين تانيين.
شركة بتجمع فلوس من الناس وتوعدهم بأرباح خيالية.
وأنا...
من غير ما أعرف...
كنت بمول جزء من الكذبة.
كارما انهارت على الكرسي.

وأول مرة في حياتها ما لقتش حاجة تقولها.
أما أمي فبدأت تعيط.

تم نسخ الرابط