دم الغدر كان نازل

لمحة نيوز

دم الغدر كان نازل على رجلها وهي مش حاسة بنار الوجع من كتر الخوف.. دخلت الحمام تستخبى وتداري علامات الضرب والإهانة اللي مغطية جسمها، فجأة الباب اتفتح، ووقفت وجهاً لوجه قدام أكتر راجل بتهتز له البلد!
الدم كان بيسيل على رجل هناء وهي مكنتش حاسة بلسعة الجرح من كتر الهم. الحمام كانت ريحته ليمون ومطهرات، وبلاط الرخام الساقع عاكس الإضاءة البيضا الفاقعة بتاعة النجفة، نور قوي ومكشوف لدرجة إنه مبيخليش أي علامة ضرب على ضهرها تستخبى، علامات زرقا وخضرا وفي كل الألوان، خريطة كاملة من الوجع والظلم مكتوبة على جلدها، وكل علامة من دول وراها نفس الشخص: شريف، طليقها، الظابط الفاسد اللي في قسم عين شمس، من نوعية الرجالة اللي بيعلقوا النسر على صدرهم بره البيت ويسيبوا علامات صوابعهم جوه البيت في حتة محدش يشوفها. كان واعدها بالحب والأمان والأصول، وقضى تلات سنين يعلمها إن الوعود والورق ملهمش عازة لما تقع في إيد راجل مبيتقيش ربنا. هناء ضغطت بحتة قماشة نضيفة على الجرح الصغير اللي في رجلها وبصت للدم وهو بيعلم في القماش الأبيض، الجرح مكنش غريق، تلاقيها اتعورت في حرف البانيو الرخام وهي بتنضف بسرعة ومن غير وعي، إيديها كانت بتاكلها من كتر الكلور والمطهرات، وضلوعها لسه بتوجعها مع كل نفس بتاخده؛ ضلعين مشروخين على كلام دكتور مستشفى الدمرداش يوم الثلاثاء بالليل، وقال لها محتاجة راحة شهرين على الأقل لو خدت بالها من نفسها. تاخد بالها من نفسها! الكلمة دي كانت هتموتها من الضحك والبكاء في نفس الوقت؛ دي واقفة في الحمام الخاص بتاع سليم المنشاوي في الدور الثالث من فيلته في التجمع، ولبس الشغل متبهدل وضهرها مكشوف، والدم هيبهدل الأرضية الرخام اللي تمنها لوحده كفيل يوديها ورا الشمس ويهد حياتها.
الست

أم السعد، مشرفة الفيلا، كانت معطياها التعليمات من أول ليلة: ممنوع تدخلي الأوض الخاصة بعد الساعة عشرة بالليل، ممنوع تسألي في اللي مالكيش فيه، عينك متجيش في عين سليم بيه واعلمي إنك خيالة، متتكلميش إلا لو اتطلب منك، وإياكِ ثم إياكِ تخطي الدور الثالث فوق. هناء هزت راسها بالموافقة على كل الشروط زي أي ست فهمت إن العيشة ومكتوبها بيجبروا الواحد يصغر ويستخبى عشان يعدي يومه، بس هي النهاردة كسرت أهم شرط فيهم. الساعة 9:30 بالليل، أخوها الصغير سيف كلمها من شقتهم القديمة والمكركبة في المطرية، كان بيبكي بحرقة لدرجة إنها مكنتش فاهمة منه كلمة، عيل عنده تمن سنين، والبيت ساقع كحل، والجيران بره عمالين يزعقوا، وبعدها طلع صوت ضرب نار في الشارع، صحيح كان بعيد بس خلى الواد صوته يتنفض من الرعب. هناء قعدت على أرضية الغسيل والتليفون على ودنها وقعدت تغني له الأغنية اللي أمهم الله يرحمها كانت بتغنيها لهم قبل ما السرطان يخطِفها من سنتين، فضلت تغني لحد ما نفس سيف هدي ونام، وفضلت تغني لغاية ما الغسالة طلعت صوت الأوردر كاميرا الممر الوراني نورت أحمر، وبصت في الساعة لقتها 10:15 بالليل. على ما خلصت حمامات الدور الثاني، مكنش فاضل غير مكان واحد بس؛ الحمام الخاص بتاع سليم المنشاوي. "وحش السوق" زي ما الجرايد بتسميه، اتنين وتلاتين سنة، كلمته مسموعة وهيبته بتهز من أول الميناء لحد وسط البلد، راجل عربياته السودة بتظهر فجأة من غير ميعاد، واسمه بيخلي الرجالة الشواحط توطي صوتها في القهاوي والمكاتب.
هناء مكنتش شافته قبل كده ومكانتش عاوزة تشوفه، الشغلانة دي بسبعة آلاف جنيه في الأسبوع، كاش، ومن غير أسئلة ولا بطاقة. لست بتصرف على عيل تمن سنين لوحدها، وبتستخبى من ظابط بيمحي المحاضر بكلمة منه، السبعة آلاف
دول مكنوش مجرد فلوس، دول كانوا تمن الإيجار والأكل ومصاريف المدرسة، وباب مقفول بقفل شريف ميعرفش طريقه ولا معاه مفتاحه. من أربع أيام بس، لمت كل اللي يخصها وشريف في الخدمة: بخاخة الحساسية بتاعة سيف، مصحف أمها القديم، بنطلونين جينز، وجاكت المدرسة، والملف اللي فيه شهادات الميلاد، وورقة المستشفى اللي طبقها وشالتها عشان سيف ميشوفهاش. ده مكنش أمان كامل، بس كان خطوة لورا بعيد عن الأذى، وساعات البُعد بيبقى أول رحمة تلاقيها الست الخايفة. أم السعد مسألتهاش على ورق ولا سيرة ذاتية، بصت لها بس بعيون بتقرأ اللي تحت الجلد وسألتها: محتاجة الشغل ده؟ فقالت هناء: أيوة. بتعرفي تقفلي بقك؟ أيوة. بتعرفي تختفي ومحدش يحس بيكِ؟ هناء بلعت ريقها وقالت: أيوة. الستات المستضعفين بيتعلموا بشكل الخطر من كتر ما الرجالة بيجبروهم يستحملوا ويمشوا جنب الحيط. لثانية واحدة مرعبة، هناء اتخيلت نفسها بتمسك صبّانة الكريستال التقيلة دي وترزعها في المراية عشان تسمع صوت حاجة بتتكسر غيرها وغير كرامتها، بس حطت إيدها على الرخام وهدّت نفسها. من غير غضب، من غير صوت، ومن غير غلطة. مدت إيدها ترفع سوستة لبس الشغل بس صوابعها كانت متبنجة ومش قادرة، والقماشة المبلولة دم لفت وسابت خط أحمر على الأرض الرخام البيضا.
يادي المصيبة..
همست بالكلمة وهي بتوطي عشان تلمها وتتمسح، وفي اللحظة دي بالذات، سمعت صوت الخطوات. خطوات تقيلة، هادية، مش خطوة عساكر وأمن، ولا خطوة أم السعد السريعة؛ دي خطوات صاحب المكان والملك. هناء اتجمدت مكانها، إيد ماسكة القماشة اللي فيها دم وإيد تانية لامة هدومها على صدرها بتحاول تداري نفسها. مكنش مفروض حد يكون في البيت، هي شافت سليم المنشاوي وهو خارج الساعة تمانية، شافت العربية المرسيدس السودة وهي
بتتحرك والحراسة وراها، والأنوار الحمراء بتختفي ورا البوابة الكبيرة وفيروزة سور الفيلّا، بس الخطوات كانت بتقرب.. وبقوة. أكرة الباب النحاس بدأت تلف. هناء حاولت تقوم، حاولت تغطي ضهرها وعلامات الضرب، حاولت تختفي للمرة الألف وتكون سر ميبانش، وفجأة الباب اتفتح بالكامل...
دخول سليم في اللحظة دي مش مجرد رجوع لبيته، ده بداية المواجهة الشرسة اللي هتكشف المستور، وعينيه الحادة أول ما هتيجي على علامات الضرب والدم على الرخام، الدنيا هتتقلب والظابط الفاسد اللي فاكر نفسه فوق القانون مش هيعرف الرد هيجيله منين!
لو عاوزين تعرفوا إيه اللي هيحصل لما سليم يشوف هناء وإزاي هيجيب لها حقها ويقلب الطاولة على طليقها، 
الباب اتفتح بالكامل.

هناء رفعت عينيها المليانة رعب، وقلبها بيدق بعنف كأنه هيخرج من صدرها.

وقف سليم المنشاوي عند الباب للحظة.

عينه نزلت على الأرض.

شاف نقطة الدم.

وبعدين شاف القماشة البيضاء اللي متبهدلة في إيدها.

وبعدين شافها هي.

وشاف الخوف.

الخوف الحقيقي اللي الستات بيتعلموا يخبوه عن العالم كله.

هناء اتراجعت خطوة لورا بسرعة.

"أنا آسفة يا بيه... والله كنت بنضف و..."

لكنها سكتت فجأة.

لأن نظرته مكانتش نظرة غضب.

ولا نظرة راجل متعالي.

كانت نظرة حد بيحاول يفهم.

قال بهدوء:

"مين اللي عمل فيكي كده؟"

هناء حسّت إن الأرض بتهتز تحتها.

السؤال نفسه كان غريب.

بقالها سنين محدش سألها السؤال ده.

الناس كانت دايمًا بتسأل:

إنتِ عملتي إيه؟

إنتِ غلطتي في إيه؟

إنتِ استفزّيتيه ليه؟

لكن محدش سألها أبدًا:

مين اللي عمل فيكي كده؟

هزت رأسها بسرعة.

"مفيش حاجة يا بيه."

رد من غير ما يرفع صوته:

"الكذبة دي قديمة."

سكتت.

وفجأة لقت نفسها بتعيط.

مش بكاء هادي.

بكاء سنين

كاملة.

سنين من الخوف والضرب والإهانة والهروب.

قعدت على الأرض الرخام.

وحكت.

تم نسخ الرابط