دم الغدر كان نازل
حكت كل حاجة.
من أول يوم اتجوزت فيه شريف.
لحد آخر ليلة هربت فيها منه.
حكت عن المحاضر اللي كانت بتختفي.
وعن الشهود اللي كانوا بيتراجعوا.
وعن التهديدات.
وعن خوفها على أخوها الصغير.
ولما خلصت كلامها، كان الوقت عدى منتصف الليل.
وسليم ساكت.
ساكت تمامًا.
وبعدين قال جملة واحدة:
"خليكي مطمنة."
بس.
ولا وعدها بحرب.
ولا هدد حد.
ولا عمل استعراض قوة.
في الصباح، طلب منها تروح مستشفى خاصة.
الفحوصات أثبتت الإصابات القديمة والجديدة كلها.
واتوثق كل شيء رسميًا.
بعدها بأيام، اكتشفت هناء حاجة عمرها ما كانت تعرفها.
إن
مش عشان يظهر في الإعلام.
ولا عشان الناس تشكره.
لكن لأنه فقد أخته زمان بعد سنوات من العنف الأسري، وما قدرش ينقذها.
ومن يومها قرر يساعد أي ست تقدر توصل له.
بدأت الإجراءات القانونية تتحرك بشكل مختلف.
مش بالمجاملات.
ولا بالنفوذ.
بالأوراق.
والتقارير.
والشهود.
والحقائق.
ولأول مرة، شريف لقى نفسه قدام ملف كامل مش قادر يمحيه.
كل محاولة ضغط فشلت.
كل محاولة تهديد اتسجلت.
وكل باب كان بيفتحه اتقفل في وشه.
لأن الحقيقة بقت أكبر من
مرت شهور طويلة.
كانت صعبة.
فيها جلسات ومحاكم وتحقيقات.
وفيها أيام كانت هناء بترجع فيها تبكي من التعب.
لكنها ما رجعتش خطوة واحدة للخلف.
وسيف؟
سيف رجع ينام من غير ما يخاف من أصوات الشارع.
رجع يضحك.
ويرسم.
ويرجع طفل من تاني.
وفي يوم شتوي هادي، صدر الحكم النهائي.
خرجت هناء من المحكمة وهي ماسكة إيد أخوها.
السماء كانت رمادية.
والهوا بارد.
لكن لأول مرة من سنين، كانت قادرة تتنفس.
بجد.
من غير خوف.
من غير ما تبص وراها كل دقيقة.
من غير ما تستنى باب يتفتح أو صوت يزعق.
سيف شد إيدها وقال:
"إحنا خلاص مش
بصت له.
وابتسمت.
ابتسامة حقيقية افتقدتها سنين.
وقالت:
"لأ يا سيف... خلاص."
بعد سنة كاملة، كانت هناء واقفة في شقتها الصغيرة الجديدة.
شقة متواضعة.
لكنها ملكها.
على الحائط صورة أمها.
وعلى المكتب شهادات تدريب وشغل جديد.
وفي الأوضة التانية، سيف بيذاكر.
صوت ضحكته واصل لحد الصالة.
وقفت قدام الشباك.
وبصت للشارع تحت.
افتكرت الليلة اللي دخلت فيها الحمام وهي فاكرة إن حياتها انتهت.
الليلة اللي كانت فيها مجرد ست مرعوبة بتحاول تداري جرح.
مكنتش تعرف إن باب الحمام اللي اتفتح وقتها هيبقى بداية خروجها
مسحت دمعة صغيرة من عينها.
ورفعت رأسها للسماء.
وقالت بهمس:
"أنا نجيت."
ولأول مرة من زمن طويل...
كانت تقصد الكلمة بكل معناها.
تمت.