قفل على باب التلاجة
قفل على باب التلاجة
الحاج غريب فضل قاعد على كرسيه جنب الشباك، ساكت، وعينيه متعلقة بوشوش عادل وهند وهم بيقلبوا الورق اللي خرج من العلبة الكرتون. أول صفحة كانت إنذار قانوني رسمي، مختوم بختم مكتب المحامي مراد الألفي، بيطالب عادل وزوجته بإخلاء العقار خلال مدة محددة باعتبار وجودهم فيه كان على سبيل الاستضافة المؤقتة وليس لهم أي حق ملكية أو انتفاع دائم. هند خطفت الورقة من إيد عادل وهي بتقول بعصبية إيه الهبل ده؟! لكن كل ما قلبت صفحة ورا صفحة كان لون وشها بيتغير. كانت فيه صور من عقد ملكية البيت الأصلي باسم الحاج غريب وحده، وصور إيصالات تحويلات مالية قديمة، وأوراق تثبت القروض والمبالغ اللي دفعها لابنه على مدار سنين طويلة، وكمان إقرار بخط يد عادل نفسه إنه استلم مبالغ كبيرة من والده لمساعدته في
الدراسة والزواج والمشروع الأول.
ساعتها لأول مرة رفع عادل عينه وبص لأبوه. كانت نظرة مرتبكة، خايفة، ومليانة أسئلة. لكن الحاج غريب ما
في الأيام اللي بعدها اتغير جو البيت كله. هند بطلت صوتها العالي. التلاجة فضلت مقفولة يومين كمان، لكن القفل بقى شكله مضحك أكتر منه مخيف. لأن اللي كان فاكر نفسه صاحب سلطة اكتشف فجأة إنه مجرد ضيف. وفي الليلة التالتة، الحاج
غريب صحي على صوت خناقة مكتومة بين هند وعادل في أوضتهم. هند كانت بتلومه إنه سكت من البداية وساب الأمور توصل لكده، وعادل كان لأول مرة بيرد عليها بعصبية ويقول إن اللي حصل غلط وإنهم تمادوا أكتر من اللازم.
لكن الحاج غريب كان خلاص وصل لمرحلة مختلفة. الجرح اللي اتفتح جوه قلبه مكانش بسبب
بعد أسبوع، جه المحامي مراد بنفسه. دخل البيت وسلم على الحاج غريب بحرارة، وقعدوا في الصالة القديمة اللي كانت ميرفت بتحبها. هند كانت واقفة بعيد بتراقب، وعادل قاعد كأنه طالب مستني نتيجة امتحان. مراد فتح الملف وقال بهدوء لسه فيه فرصة نحل كل حاجة بشكل محترم. لكن القرار في إيدك يا غريب.
الحاج غريب سكت شوية. بص حوالين البيت. بص للصورة الكبيرة اللي فيها هو وميرفت يوم جوازهم. بص للنجفة اللي اشتروها بالتقسيط من أكتر من تلاتين سنة. بص للشباك اللي كان واقف تحته كل صباح يسقي الورد. وبعدها قال جملة واحدة البيت ده عمر كامل... والعمر ما بيتقسمش بين اللي يحترمه واللي يهينه.
الكلمات وقعت زي الحجر.
عادل نزل رأسه. لأول مرة من شهور بدأت دموعه تنزل. قال بصوت مكسور سامحني يا أبويا.
لكن الحاج غريب مردش.
مرت أيام جديدة. المحكمة
عالي. مجرد مسافة.
وفي ليلة مطرية، حصل شيء غير متوقع. الحاج غريب رجع من صلاة العشاء ولقي عادل قاعد لوحده في الحوش الصغير. كان ماسك صورة قديمة ليهم هما الاتنين. صورة من يوم نجاحه في الثانوية. يومها كان الحاج غريب شايله على كتفه من الفرحة. عادل بكى بكاء طفل صغير وقال أنا ضيعت نفسي يا أبويا. كنت فاكر إني ساكت عشان أريح البيت. لكن سكوتي هو اللي خرب البيت.
ساعتها فقط حس الحاج غريب إن ابنه رجع يتكلم من قلبه.
لكن الغفران شيء... واسترجاع الثقة شيء تاني.
مرت أسابيع. وفي النهاية، خرج عادل وهند من البيت فعلاً واستأجروا شقة صغيرة بإمكانياتهم. مفيش طرد في الشارع، ومفيش فضايح. الحاج غريب أصر إن كل حاجة