يوم جنازه ابويا كامله

لمحة نيوز

اللي شالني على كتفه وأنا صغيرة، واللي كان بيصلي بالناس إمام في الجنازة من كام ساعة؟
الدموع جفت في عيني من هول الصدمة. في اللحظة دي، شريط ذكريات طويل مر قدام عيني. افتكرت زيارات عمي الكتير لأبويا في الفترة الأخيرة، الخناقات المكتومة اللي كانوا بيقفلوا على نفسهم الباب عشان منسمعهاش، وافتكرت نظرات سعد وجوزي لعمي، نظرات التابع لسيده.
المؤامرة بقت واضحة زي الشمس. أبويا كان كاتبلي كل أملاكه بيع وشرا عشان يحميني، وعمي محمود، اللي كان طمعان في ورث أخوه وشايف إن البنت متورثش الأرض والمصنع، لقى في سعد العريس الطماع الأداة المثالية لتنفيذ خطته. أكيد كانوا بيحاولوا يجبروه يمضي على ورق تنازل أو توكيلات، ولما رفض، قرروا يخلصوا منه.
الهدوء القاتل
لو كنت انهارت أو صرخت، كنت هبقى الضحية التانية. قفلت اللاب توب بسرعة. دموعي اللي كانت بتنزل وقفت، وحل مكانها برود غريب، برود الانتقام.
سحبت فلاشة من درج مكتب أبويا، ونسخت عليها الفيديو بتاع الكاميرا. وبعدين طلعت الخاتم الفضة وحتة القماشة الكحلي من جيبي، وحطيتهم في كيس بلاستيك صغير مع الفلاشة.
بقى معايا دلوقتي السلاح اللي هجيب بيه حق أبويا، الدليل اللي مفيش أي محامي
عفريت يقدر يطلّعهم منه.
رجعت شقتي قبل ما العزا يخلص. غسلت وشي، وغيرت
هدومي، ومثلت دور الزوجة المنهارة اللي مش قادرة تصلب طولها من الحزن.
بعد نص الليل، سعد رجع البيت. كان بيمثل الإرهاق والحزن ببراعة. قرب مني وعمل نفسه بيواسيني البقاء لله يا حبيبتي، شدي حيلك.. أنا وعمك محمود في ضهرك ومش هنسيبك.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقولتله وأنا باصة في الأرض ونعم بالله يا سعد.. ربنا يخليكم ليا.
دخل ينام وهو متطمن ومفكر إن السر اندفن مع أبويا تحت التراب. بس هو مكنش يعرف إن أبويا، حتى وهو بيموت، كان أذكى منهم كلهم.
الضربة القاضية
تاني يوم الصبح بدري، قبل ما سعد يصحى، كنت لابسة عبايتي وواقفة قدام باب النيابة العامة.
طلبت مقابلة وكيل النيابة لأمر عاجل يخص جريمة قتل. في الأول كانوا متخيلين إني ست مصدومة من موت أبوها، بس لما حطيت الكيس البلاستيك على المكتب، وشغلتلهم الفلاشة على اللاب توب بتاع وكيل النيابة، الأوضة كلها سكتت.
وكيل النيابة فضل باصص للشاشة بذهول، وبعدين بصلي وقالي إنتي متأكدة إن اللي في الفيديو ده جوزك وعمك؟
رديت بثبات متأكدة.. وده خاتم جوزي اللي سحبه أبويا من إيده وهو بيموت، ودي حتة من بيجامته اللي متأكدة إنكم هتلاقوها مخبية في شقتنا، وده عمي محمود اللي بيثبت إيد أخوه عشان يتقتل.
الأوامر صدرت في أقل من ساعة.
تحركت قوة من المباحث فوراً.
سقوط
الأقنعة
كنت قاعدة في صالة شقتي لما الباب خبط جامد. سعد قام من النوم مفزوع، وراح يفتح.
أول ما شاف الظابط والعساكر، وشه جاب ألوان.
في إيه يا فندم؟ سأل بصوت بيترعش.
الظابط زقه ودخل، ووجه كلامه ليا مدام زينب؟ إحنا معانا إذن نيابة بالقبض على جوزك وتفتيش الشقة.
سعد بصلي برعب، فكرني هصرخ أو أدافع عنه، بس أنا كنت قاعدة حاطة رجل على رجل، وببصله ببرود.
وفي أقل من خمس دقايق، العسكري طلع من أوضة النوم وماسك في إيده البيجامة الكحلي اللي سعد كان قاطع منها حتة ومخبيها في قعر الدولاب.
سعد ركبه الحديد، وهو بيصرخ زينب! إنتي عملتي إيه؟ أنا جوزك!
وقفت قدامه، وقولتله بصوت واطي بس حاد زي السيف أبويا بيسلم عليك، وبيقولك إكرام الميت.. القصاص.
في نفس الوقت، كانت قوة تانية بتقبض على عمي محمود من بيته، وسط فضيحة في المنطقة كلها. عمي اللي كان عامل فيها التقي المبروك، طلع قاتل أخوه.
النهاية.. والدرس الأخير
في التحقيقات، الاتنين انهاروا واعترفوا بكل حاجة لما شافوا الفيديو. عمي محمود اعترف إنه زوّر عقود بيع ابتدائية بتاريخ قديم، وكان محتاج يتخلص من أبويا قبل ما يكتشف التزوير ويحبسه. وسعد كان المقابل بتاعه إنه ياخد المصنع وإدارة الأملاك.
المحكمة حكمت عليهم ب الإعدام شنقاً مع سبق الإصرار
والترصد.

يوم النطق بالحكم، وقفت في المحكمة وشفتهم وهما لابسين البدلة الحمرا. عمي كان باصص للأرض من العار، وسعد كان بيبكي زي الأطفال. مفيش أي شفقة دخلت قلبي ناحيتهم.
بعد مرور سنة على الحادثة..
وقفت قدام قبر أبويا، قريتله الفاتحة، ورشيت مية على الزرع اللي جنب الشاهد. حسيت بنسيم هوا بارد خبط في وشي، وكأن روحه ارتاحت أخيرًا.
التجربة دي سابت جوايا دروس عمري ما هنساها، دروس كتبها أبويا بدمه في آخر لحظات حياته
الدم مش دايماً مياه، ساعات بيكون سُم صلة القرابة مش ضمان للأمان. ساعات الطمع بيعمي القلوب ويخلي الأخ يقتل أخوه.
الحدس الداخلي مش كدبة لما تحس إن في حاجة غلط، صدق إحساسك. لو مكنتش صدقت شكوكي في سعد، كان زماني عايشة مع قاتل أبويا تحت سقف واحد.
الحق مبيضيعش طول ما وراه مطالب مهما حاول الظالم يخفي جريمته، ربنا بيسيب خيط رفيع جداً عشان يكشفه بيه، بس الخيط ده محتاج عقل واعي وشجاعة عشان يتشد.
الهدوء وقت العاصفة هو سلاح النجاة لو كنت اتسرعت وواجهتهم، كنت هبقى الضحية التانية. التفكير العقلاني وتجميع الأدلة هو اللي جاب حق أبويا.
مشيت من المقابر وأنا رافعة راسي. فقدت أبويا، وفقدت بيتي، بس كسبت نفسي، وكسبت إني رديت الجميل للراجل اللي حماني طول عمره، ووصلت رسالته الأخيرة
للعالم كله
الخطر الحقيقي.. دايماً
بيجي من أقرب الناس.

تم نسخ الرابط