بعد دفن والدتها بـ3 أيام اكتشفت أن أمها ليست المرأة التي عرفتها طوال عمرها!

لمحة نيوز

المستشفى، وجهها أصفر، وشعرها ملتصق بجبينها، ويداها متورمتان. لكن عينيها كانتا لا تزالان حيتين.
سارة قالت على الشاشة إن كنتِ تشاهدين هذا، فسامحيني. لم أكن فقيرة لأنني زاهدة. كنت فقيرة لأنني خائفة. حفظت المال لأن كل ريال كان يحمل صوت الذين أرادوا شراءنا. أنتِ لا تدينين لهم بشيء. وخالد أيضًا لا يدين لهم، رغم أنه خذلني. أنا أحببته. لكن الحب لا يعني أن أسمح له أن يسرقني حتى بعد موتي.
أنزل خالد وجهه.
تنفست أمي بصعوبة.
كان اسمي الجوهرة، لكن معك كنت نورة. وهذا الاسم كان لي لأنكِ نطقتِه بحب. لا تجعلي عائلة العتيبي تشعرك أنكِ صغيرة. هم يملكون الأبراج. وأنتِ تملكين الحقيقة. وأحيانًا يا ابنتي، الحقيقة أثقل من اسم عائلة كامل.
كنت أبكي ويدي على فمي.
استمر التسجيل.
كل ما تركته سيكون لسارة، ولوقف يساعد النساء اللواتي تخلت عنهن عائلاتهن، كما حدث معي. أريد ألا يباع بيتي. أريد أن يُرمم. وأن تُقدم فيه وجبات ساخنة كل يوم جمعة. لأن لا امرأة يجب أن تتظاهر بأنها لا تشعر بالجوع
كي تأكل ابنتها.
عندها انكسرت.
سندتني الممرضة.
أطفأ ماجد العتيبي الكمبيوتر فجأة.
يكفي.
نظر إليه الموثق.
بالعكس. الآن بدأ الأمر.
وبدأ.
ليس بالصراخ.
بل بالأوراق.
بالبلاغات.
بالجهات المختصة.
وبقضية إرث حاولت عائلة العتيبي سحقها بمحامين كبار.
قالوا إن أمي لم تكن واعية.
قدم المستشفى تقريرًا يثبت أهليتها ووعيها.
قالوا إنني تلاعبت بها.
شهد الجيران أنني
كنت أعتني بها بينما كان خالد غائبًا.
قالوا إن المال كان مساعدة.
كان دفتر الادخار يقول الصمت.
قالوا إن الجوهرة العتيبي توفيت.
أخيرًا، اعترفت السيدة نورة أن ذلك لم يكن صحيحًا.
عرف الإعلام في الرياض بالأمر.
عائلة كبرى أعلنت وفاة وريثة وهي على قيد الحياة.
انتشر العنوان أسرع من سياراتهم الفارهة.
حاول خالد الاقتراب مني بعد ذلك.
جاء عصر أحد الأيام إلى البيت، وحده، دون ريم، وعيناه حمراوان.
سارة، أنا لم أكن أعرف كل شيء.
كنت أخرج الأوعية من الصالة لأن المطر لا يزال يتسرب من السقف المكسور.
نظرت إليه.
كنت تعرف أن أمي تحتاج إلى الدواء.
خفض عينيه.
نعم.
إذن كنت تعرف ما يكفي.
بكى.
لأول مرة منذ ماتت أمي.
هي أخذتني وربتني.
نعم.
وأنا كنت قاسيًا وجاحدًا.
لم أواسه.
هناك حقائق لا تحتاج إلى عناق.
ماذا تريد؟
لا شيء. ريم تركتني.
كدت أضحك، لكنني شعرت بالحزن.
طبيعي. المال لم يكن لك.
هز رأسه.
هل أستطيع زيارة قبرها؟
لا تحتاج إلى إذني كي تتحدث مع امرأة ميتة. كنت تحتاج إليه لتعتني بها وهي حية.
رحل.
لم أكرهه كما في السابق.
لكنني لم أفتح له الباب.
توفيت السيدة نورة بعد ستة أشهر.
وقبل وفاتها وقّعت
كل ما كان يجب أن توقّعه.
اعترفت قانونيًا بأن الجوهرة العتيبي عاشت، وأنها سُلبت حقها، وأنني حفيدتها. لم تطلب مني أن أناديها جدتي. ربما فهمت أن الدم لا يكفي حين يصل متأخرًا وعلى كرسي متحرك.
استمرت القضية أكثر من عام.
خسرت عائلة العتيبي
جزءًا مما سرقته.
ليس كله.
الأغنياء نادرًا ما يخسرون كل شيء.
لكنهم خسروا الصمت.
خسروا الرواية النظيفة.
خسروا حقهم في القول إن الجوهرة لم تكن موجودة.
وأنا استعدت اسم أمي.
لم أتوقف عن مناداتها نورة.
وعلى قبرها كتبت
نورة السبيعي، وهي أيضًا الجوهرة فيصل العتيبي. أم، كريمة، ووارثة لنفسها.
وحين تحرر المال، لم أشتر قصرًا.
أول شيء فعلته كان إصلاح السقف.
سقف جديد.
ثابت.
بلا أوعية.
وفي أول يوم هطل فيه المطر ولم تسقط قطرة واحدة في الصالة، جلست على الأرض وبكيت كطفلة.
بعد ذلك اشتريت بطانية زرقاء.
ناعمة.
دافئة.
وضعتها فوق سرير أمي، رغم أنها لم تعد هناك.
قلت
لم تعودي تشعرين بالبرد يا أمي.
ثم نفذت وصيتها.
تحول البيت القديم إلى مطبخ خيري كل جمعة.
سميناه بيت نورة.
وليس بيت العتيبي.
أبدًا.
كل جمعة نعد الأرز، والجريش، والقهوة، والخبز. تأتي نساء كبيرات في السن، وأمهات وحيدات، وأطفال جائعون، وجيران ساعدوا في دفنها دون أن يعرفوا أنهم كانوا يودعون وريثة مخفية.
علقت مريولها على الجدار.
وعلقت أيضًا المفتاح الذهبي الصغير بالشريط الأحمر.
والصورة القديمة التي ظهرت فيها بفستان أبيض.
وتحتها كتبت
لم تكن فقيرة. أفقروها. لم تكن وحدها. وصلنا متأخرين.
أحيانًا يأتي خالد.
لا يدخل المطبخ.
يساعد في حمل الطاولات،
يكنس الرصيف، ويجلس في النهاية صامتًا. لا أعرف هل سأستطيع يومًا أن أقول له أخي دون أن يؤلمني ذلك. لكن أمي أحبته. وأنا أحاول
ألا أكون أقسى من الحياة.
ريم لم تعد أبدًا.
والحمد لله.
أما عائلة العتيبي، فما زلت أتلقى من محاميهم خطابات بين فترة وأخرى.
لكن يدي لم تعد ترتجف.
لدي محامون، نعم.
لكن لدي أيضًا شيئًا لم يملكوه أبدًا صوت أمي وهي تقول الحقيقة من سرير مستشفى، بقدمين متورمتين ويدين باردتين.
المال خطف أنفاسي.
والاسم سحب الأرض من تحت قدمي.
لكن ما كاد يقتلني حقًا، أن أفهم أن أمي حرمت نفسها من كل شيء، ليس لأنها لا تملك، بل لأن كل ريال كان حبلًا مربوطًا بمن محوها من حياتهم.
والآن، حين أرى امرأة تقول لست جائعة وهي تضع لابنها نصيبًا أكبر، أقترب منها.
أضع طبقًا أمامها.
وأقول
كلي أنتِ أيضًا.
لأن أمي ماتت وهي تتظاهر
أنها لا تحتاج إلى شيء.
وتركت لي سبعين مليون ريال، ليس لأصبح غنية.
بل كي لا تضطر نورة أخرى أن تختار بين كرامتها وطعامها.
أحيانًا أحلم بها.
تكون في المطبخ، تعجن.
لم تعد ترتدي البطانية الرطبة.
ترتدي عباءة جديدة بلون عنابي.
تنظر إليّ وتبتسم.
هل توقف السقف عن التسرب يا ابنتي؟
أقول لها نعم.
إن السقف أصبح قويًا.
والبيت ممتلئ.
واسمها عاد.
فتضحك بتلك الضحكة المتعبة، التي صارت أخيرًا تبدو مرتاحة.
وحين أستيقظ، أفهم أن أمي لم تترك لي ثروة.
تركت لي مهمة.
ألا تُدفن امرأة وهي حية مرة أخرى فقط لأن حقيقتها تزعج الأقوياء.
وما دام بيت نورة يقدم قهوة ساخنة، وطعامًا في القدور، وبابه مفتوحًا، فلن تكون الجوهرة
فيصل العتيبي ميتة في أي
ورقة.
ولن تموت نورة السبيعي أيضًا.
أمي تعيش كل جمعة.
في كل طبق يُقدّم.
وفي كل امرأة تأكل دون أن تعتذر.
وفي كل قطرة مطر لا تدخل من السقف.

تم نسخ الرابط