اوراق طلاق

لمحة نيوز

هاتفها.
رقم مجهول.
للمرة الثانية في حياتها.
ردت بتردد.
فجاءها صوت امرأة مسنة
أنا آسفة إني اتأخرت كل السنين دي...
تجمدت ليلى.
وسألت
مين حضرتك؟
ردت المرأة
أنا والدتك.
وسقط الهاتف من يد ليلى.
لأن ليلى كانت يتيمة منذ أن فتحت عينيها على الدنيا...
أو هكذا كانت تعتقد.
يتبع... وقفت ليلى في مكانها.
قلبها كان بيدق بعنف لدرجة إنها حست إن آدم الصغير بين إيديها سمع دقاته.
الهواء اختفى من حواليها.
والصوت اللي سمعته من ثواني كان بيتردد في ودنها.
أنا والدتك.
مستحيل.
هي اتربت في دار أيتام.
عاشت عمرها كله مقتنعة إن أمها وأبوها ماتوا وهي رضيعة.
ده الملف اللي شافته بنفسها.
وده اللي قالوه لها كل الناس.
انحنت بسرعة وأمسكت الهاتف من الأرض.
لكن الخط كان اتقفل.
دخل هشام الحديقة في اللحظة دي.
ولاحظ شحوب وجهها.
ليلى؟ مالك؟
رفعت عينيها نحوه.
وكان واضح إنها على وشك الانهيار.
همست
في واحدة اتصلت بيا.
وبعدين؟
قالت إنها أمي.
في صباح اليوم التالي...
كان هشام قد استعان بفريق كامل لتتبع الرقم.
وبعد ساعات قليلة وصل التقرير.
الرقم حقيقي.
وصاحبته امرأة اسمها سلوى عبد الرحيم.
تعيش في بيت بسيط بمدينة المنصورة.
حدقت ليلى في الاسم طويلًا.
الاسم لا يعني لها شيئًا.
لكن قلبها كان يقول غير ذلك.
وفي النهاية قررت تذهب.
وصلوا البيت عصرًا.
منزل قديم تحيطه أشجار الليمون.
وقبل أن تطرق الباب...
فُتح من الداخل.
وظهرت امرأة في أواخر الستينات.
وجهها مليء

بالتجاعيد.
لكن...
عيناها.
نفس عيني ليلى تمامًا.
نفس اللون.
نفس النظرة.
تجمدت ليلى.
أما المرأة فبدأت تبكي فورًا.
وقالت
كبرتي...
لم تستطع ليلى الرد.
ولا حتى الحركة.
فقط وقفت تحدق فيها.
ثم سألت بصعوبة
لو إنتِ أمي... سيبتيني ليه؟
كان السؤال الذي انتظرته طوال حياتها.
وسقطت دموع المرأة أكثر.
جلست على الكرسي وقالت
أنا ما سيبتكيش.
ثم أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وقدمتْه لها.
فتحت ليلى الصندوق.
فوجدت صورًا.
صور لها وهي رضيعة.
صور لأم تحملها.
وصور لرجل شاب يبتسم وهو مع طفلة صغيرة.
قالت المرأة
ده أبوكي.
ارتجفت يد ليلى.
ثم بدأت تسمع القصة.
قبل ثلاثين سنة كان والدها صحفيًا كشف قضية فساد كبيرة جدًا.
وأثناء التحقيقات تلقى تهديدات كثيرة.
ثم اختفى فجأة.
وبعد أشهر قيل إنه مات في حادث.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
فقد تم اختطافه.
وحين حاولت سلوى البحث عنه بدأت تتعرض هي الأخرى للملاحقة.
وفي ليلة واحدة...
اضطرت لتسليم طفلتها الصغيرة إلى دار أيتام موثوقة وإخفاء هويتها لحمايتها.
كانت تظن أنها ستعود بعد أيام.
لكن الأيام تحولت إلى سنوات.
والسنوات إلى عقود.
حتى فقدت أثرها تمامًا.
ظلت ليلى تستمع وهي تبكي.
سنوات كاملة من الأسئلة بدأت تجد إجاباتها.
لكن فجأة...
توقفت سلوى عن الكلام.
وأخرجت صورة أخيرة من الصندوق.
صورة قديمة باهتة.
وبمجرد أن رآها هشام...
وقف من مكانه.
واتسعت عيناه بشدة.
أخذ الصورة من يد ليلى.
وقال بصوت مذهول
مستحيل.
..
نظرت ليلى للصورة.
ثم إليه.
إيه؟
أشار إلى الرجل الموجود بجوار والدها في الصورة.
وقال
أنا أعرفه.
مين ده؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
ثم قال
ده والدي... فؤاد المنصوري.
ساد الصمت.
صمت ثقيل ومخيف.
لأن الصورة كانت تعني شيئًا واحدًا فقط...
أن سر اختفاء والد ليلى...
قد يكون مرتبطًا بعائلة المنصوري منذ البداية.
وأن القصة التي ظنوا أنها انتهت...
كانت أعمق بكثير مما تخيلوا.
يتبع... أخذ هشام الصورة وراح يحدق فيها لثوانٍ طويلة.
كان والده، فؤاد المنصوري، واقفًا مبتسمًا بجوار والد ليلى، وكأنهما صديقان مقربان.
لكن هشام كان يعرف شيئًا غريبًا.
والده لم يكن يتحدث أبدًا عن تلك الفترة من حياته.
ولا عن أي أصدقاء قدامى.
ولا حتى عن بدايات تكوين ثروته.
قالت ليلى بصوت مرتجف
إنت متأكد؟
هز رأسه ببطء.
ثم قال
متأكد جدًا.
في الأيام التالية بدأوا البحث.
فتحوا أرشيفات قديمة.
راجعوا مستندات وشهادات وصحفًا عمرها ثلاثون عامًا.
وفي كل مرة كانوا يقتربون من الحقيقة...
يكتشفون أن شخصًا ما حاول إخفاءها عمدًا.
حتى عثر كريم على خيط مهم.
ملف قديم داخل مخزن مهجور تابع للشركة.
كان مليئًا بوثائق مهترئة.
لكن بين الأوراق وجد تسجيلًا صوتيًا محفوظًا على شريط قديم.
وبعد ساعات من العمل تمكنوا من تشغيله.
خرج صوت رجل يتحدث بانفعال.
وعندما سمعته سلوى...
انهارت باكية.
ده صوته... ده زوجي.
ساد الصمت.
ثم تابع التسجيل
إذا وصل التسجيل ده لأي حد، يبقى أنا غالبًا مش
هقدر أتكلم بنفسي... اكتشفت شبكة فساد كبيرة، لكن المفاجأة إن فؤاد المنصوري مش متورط فيها... بالعكس، هو الوحيد اللي حاول يساعدني.
نظر الجميع إلى هشام.
وأكمل الصوت
في ناس أقوى مننا بكتير. لو حصل لي حاجة، حافظوا على بنتي.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
لكن الجملة الأخيرة كانت كافية لتغيير كل شيء.
فؤاد المنصوري لم يكن العدو.
كان يحاول الحماية.
وبعد أسابيع من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
والد ليلى لم يُقتل بسبب فؤاد.
بل بسبب مجموعة من رجال الأعمال الفاسدين الذين كشف ملفاتهم.
أما فؤاد المنصوري فقد ساعد في إخفاء هوية ليلى الصغيرة حتى لا تصل إليها أيديهم.
ولذلك بقيت في دار الأيتام باسم مختلف.
وكان ينوي إخبار أبنائه بالحقيقة يومًا ما.
لكن الموت سبقه.
في مساء هادئ، اجتمعت العائلة كلها في حديقة الفيلا.
ليلى.
هشام.
آدم.
كريم.
وسلوى.
وضعت سلوى صورة زوجها الراحل على الطاولة.
ثم نظرت إلى حفيدها الصغير آدم.
وقالت بابتسامة باكية
أبوك كان يتمنى يشوف اليوم ده.
ابتسمت ليلى وهي تضم ابنها إلى صدرها.
لأول مرة في حياتها لم تشعر بالوحدة.
لم تعد الفتاة التي تربت بلا عائلة.
صار لديها أم.
وزوج يحبها.
وابن يملأ حياتها.
وأخ جديد في كريم.
أما هشام فمد يده وأمسك يدها.
وقال
إحنا ضيعنا سنين بسبب أسرار وخوف وسوء فهم.
ثم ابتسم.
كفاية لحد كده.
رفعت ليلى عينيها إلى السماء.
وشعرت أن كل الطرق الملتوية التي مرت بها أوصلتها أخيرًا إلى المكان الذي
تنتمي إليه.
وفي تلك الليلة...
أُغلقت آخر صفحة من أسرار الماضي.
وبدأت صفحة جديدة.
لا مليارات هشام هي أهم ما فيها.
ولا نفوذ عائلة المنصوري.
بل شيء أبسط وأغلى بكثير
العائلة.
النهاية الحقيقية.

 

تم نسخ الرابط