ابني كان يتصل كل أحد ليسأل: "أنت وحدك؟".. وعندما كذبت عليه اكتشفت الكارثة
ابني كان يتصل كل أحد ليسأل أنت وحدك؟.. وعندما كذبت عليه اكتشفت الكارثة!
علي.
لم يكن هناك أحد يستطيع الوصول إلى صندوق أدويتي غير ابني نفسه.
كان يأتي إلى بغداد مرة كل شهر. أحيانًا يرتب أدويتي، وأحيانًا يراجع أوراقي بحجة دفع فاتورة الكهرباء، وأحيانًا يطلب دفتر البنك ويقول لي أبي، سأرتب لك الأمور إلكترونيًا حتى لا تتعب. ولم أكن أمنعه. كان ابني. الطفل الذي علمته ركوب الدراجة، كيف أمنعه من فتح خزانة بيتي؟
لكنني عندما رأيت تلك الحبة البيضاء الصغيرة، شعرت لأول مرة أنني لم أعطِ مفتاح بيتي لابني، بل أعطيته لشخص غريب.
قال سعدي بصوت منخفض
لا ترمِها.
سألته
لماذا؟
قال
لأننا إذا كنا مخطئين، فهي مجرد حبة. أما إذا كنا على حق، فهي دليل.
كانت يداي ترتجفان. وضعت الحبة داخل علبة صغيرة قديمة كانت أمينة تحتفظ فيها بخاتمها وبعض أغراضها البسيطة. لم أستطع يومًا أن أرمي تلك العلبة. وعندما رآها سعدي، لانَت عيناه قليلًا.
قال
أمينة ما زالت تنفعك حتى بعد رحيلها.
شعرت بشيء يعلق في حلقي. لم أكن أريد البكاء، لكن عيون الرجل العجوز تخونه أحيانًا من دون إذن.
في ذلك اليوم لم نُحدث ضجة. لا شرطة. لا اتصالات. ولم أخبر عليًا أصلًا أن سعدي موجود في البيت. جلست حتى الظهر في الحديقة أراقب الأزهار. كان الورد يلمع تحت الشمس وكأن أمينة
في المساء قال سعدي
جاسم، نحن كبرنا بالعمر، لكننا لسنا أغبياء. قبل أي شيء، يجب أن نعرف ماذا يريد بالضبط.
قلت بصوت خافت
هذا ابني.
قال
ولهذا هو خطر. الإنسان يحذر من الغريب، لكنه لا يحذر من دمه.
في تلك الليلة لم أنم. بقيت ممددًا على السرير أحدق في السقف، وصوت علي في طفولته يدور في أذني أبي، أريد طيارة ورق... أبي، أوصلني للمدرسة... أبي، لا تخبر أمي أنني كسرت الزجاج... ثم يتحول الصوت نفسه إلى صوته الآن هل يوجد أحد معك في البيت؟
في الصباح رأيت بيتي لأول مرة كأنني محقق يدخل مكان حادث. الحمام. صندوق الأدوية. علبة الشاي في المطبخ. فلتر الماء. غرفتي. الخزانة.
كان سعدي معي. قال
يجب أن تراجع بعض الأوراق.
فتحت الخزانة الحديدية القديمة. كانت بداخلها ملابس أمينة، وبعض الملفات، وأوراق التقاعد، وسند البيت، ومستندات البنك. أخرجت الملف، ولاحظت أن ظرف سند البيت كان مفتوحًا قليلًا من الطرف، وكأن أحدهم عبث به. لم أنتبه لذلك من قبل. أخرجت الأوراق.
كان سند البيت في مكانه.
لكن خلفه كانت هناك ورقة أخرى.
قرأتها.
وكالة عامة.
توقفت أنفاسي.
كان اسمي موجودًا فيها. واسم علي موجودًا أيضًا. وفي الأسفل توقيع يشبه توقيعي.
يشبهه.
لكنه ليس توقيعي.
أخذ سعدي الورقة من يدي، وعدل
نظارته وقال
متى وقعت على هذه؟
قلت
أبدًا.
قال
عليها ختم كاتب عدل.
جلست على الكرسي. شعرت أن جسدي كله ارتخى، كأن أحدًا نزع العمود من ظهري.
بحسب الورقة، كنت قد منحت عليًا حق التصرف في البيت والحساب البنكي وكل ما يتعلق بممتلكاتي. التاريخ كان قبل شهرين. نفس الشهر الذي جاء فيه علي وقال إن هناك بعض الأوراق الخاصة بالتقاعد والبنك، وطلب مني أن أوقع بسرعة. يومها وقعت في مكانين أو ثلاثة من دون أن أقرأ. قال لي أبي، هذه تحديثات بسيطة للبنك. لا تشغل بالك.
وثقت به.
والثقة أحيانًا تكون مثل سكين في جيب الإنسان، لا يشعر بحدتها إلا بعد فوات الأوان.
قال سعدي
هذه ليست النهاية. هذه البداية فقط.
نظرت إليه.
قال
إذا كان يسألك كل يوم أحد هل أنت وحدك أم لا، فهذا يعني أنه يحتاج وقتًا. إما ليفعل شيئًا، أو ليرسل أحدًا.
بدأ طنين غريب في أذني.
قلت
يرسل أحدًا؟
قال
نعم. والأسبوع الماضي قلت له إنك وحدك، لكنني كنت في البيت. هو ارتاح لأنه ظن أن الطريق مفتوح.
نظرت من النافذة. كان بائع الحليب يمر في الزقاق، والأطفال ينتظرون باص المدرسة. نفس الحي. نفس الصباح. لكن كل الوجوه أصبحت خلف غبار الشك.
عند الظهر اتصل سعدي بأحد معارفه القدامى. خلال عملنا في مديرية الطرق والجسور تعرفنا على
ناس في دوائر كثيرة. ابن أخته كان يعمل في مختبر تحاليل خاص في بغداد. قال له سعدي أن
سألته
لكن من دون شرطة؟
قال
أولًا نعرف. بعدها نقرر الخطوة.
في المساء جاء شاب نحيف. لبس قفازات ووضع الحبة داخل كيس صغير. لم يسأل عن اسمي، ولم يأخذ مالًا. قال فقط
سعدي عمي طلب مني، وأنا حاضر.
بعد أن غادر، صار البيت أثقل.
في الليل اتصل علي.
لم يكن يوم أحد.
بردت يداي.
أشار لي سعدي أن أضع الهاتف على مكبر الصوت.
رفعت الهاتف.
قلت
نعم يا ولدي؟
قال
أبي، كل شيء بخير؟
قلت
نعم.
قال
صوتك اليوم متعب.
قلت
العمر له حق.
ضحك بخفة وقال
تريدني آخذك إلى طبيب؟ على كل حال، سأأتي الأسبوع القادم.
قلت
الأسبوع القادم؟
قال
نعم. صباح الأحد. عندي شغل مهم. بعض الأوراق يجب أن نكملها.
ضاقت عينا سعدي.
حافظت على صوتي طبيعيًا وقلت
أي أوراق؟
قال
أبي، نفس موضوع ضريبة البيت، واسم المستفيد في التقاعد، والتأمين الصحي. أنت لا تفهم هذه الأمور. أنا موجود.
قلت
حسنًا.
قال
وأبي...
توقف لحظة.
ثم قال
في ذلك اليوم قلت إنك وحدك في البيت. صحتك جيدة، أليس كذلك؟ لا تجعل أحدًا ينام عندك. هذه الأيام الناس لا يُؤتمنون.
اشتعل شيء في صدري.
قلت
صحيح يا ولدي. الناس لم يعودوا
يُؤتمنون.
ساد صمت قصير من الجهة الأخرى.
ثم قال
أحبك كثيرًا يا أبي.
قلت له الجملة نفسها.
لكن هذه المرة
لم أشعر بذلك الدفء في حلقي. هذه
في اليوم التالي وصلت نتيجة المختبر.
لم تكن الحبة دواءً عاديًا للنوم. كانت من