ابني كان يتصل كل أحد ليسأل: "أنت وحدك؟".. وعندما كذبت عليه اكتشفت الكارثة
الشركة. هناك أناس يلاحقونني. ظننت أنني أبيع البيت وأرتب كل شيء. كنت سأضعك في دار رعاية جيدة. أقسم لك، لم أكن أريد إيذاءك.
نظرت إليه وقلت
إذن لماذا أحضرت الدواء؟
بدأ يبكي أكثر.
قال
خفت.
قلت
مني؟
سكت.
رأيت ابني لأول مرة كما هو. طفولته، دراسته، زواجه، عمله... كل شيء نزل عن وجهه مثل طبقات. وفي الأسفل كان هناك رجل خائف. لكن الخوف قد يجعل الإنسان ضعيفًا، لا قاسيًا. القسوة يختارها الإنسان بنفسه.
أجلست الشرطة الاثنين. صادرت العلبة. وعندما فُتحت الحقيبة، وجدوا بداخلها أوراقًا طبية مزيفة، وبعض الحقن، وختمًا، وأوراقًا فارغة كثيرة. واتضح أن الطبيب المزيف مجرد معرفة قديمة لعلي، كان يعمل سابقًا مساعدًا في عيادة صغيرة.
في مركز الشرطة، لم يكن الإدلاء بالإفادة
سهلًا. كنت أتكسر مع كل جملة. أصعب جملة قلتها كانت ابني... سألني الضابط
هل تريد تقديم شكوى رسمية؟
نظرت إلى سعدي.
لم يقل شيئًا.
تذكرت أمينة. لو كانت موجودة، ماذا كانت ستفعل؟ كانت ستوبخ عليًا، وتبكي، لكنها لن تخفي الحقيقة. كانت تقول دائمًا إذا حميت الخطأ باسم الحب، سيصبح الخطأ أقوى.
قلت
نعم. اكتب الشكوى.
رفع علي رأسه. كانت في عينيه نظرة شخص يشعر أن الثقة انكسرت، كأنني أنا من خانه، لا هو.
قلت له
أنت لم تخسر أباك يا علي. أنت خسرت وجهك.
الأيام التالية كانت صعبة. بدأ الناس في الحي يتكلمون. بعضهم قال كان يجب أن تسامح ابنك. وبعضهم قال أولاد هذا الزمن هكذا. أم محمود كانت ترسل لي الطعام
لن أذهب حتى تستقيم هذه القضية.
قابلت محاميًا وألغيت الوكالة العامة. أمنت حساباتي البنكية، ووضعت سند البيت في خزنة جديدة، وسلمت تقرير المختبر إلى الشرطة، وكذلك تسجيلات الكاميرات.
في اليوم الثالث جاءت زوجة علي، زينب. كانت واقفة عند الباب تبكي، ومعها حفيدي حسن، عمره سبع سنوات. كان ينظر إليّ ولا يفهم ماذا حدث بين جده وأبيه.
قالت زينب
عمي، أنا لا أعرف شيئًا. والله لا أعرف.
أدخلتها إلى البيت. اقترب حسن وقبّل يدي. وضعت يدي على رأسه، فارتجفت أصابعي. الأطفال لا يولدون وهم يحملون
ذنوب الكبار.
أخبرتني زينب أن عليًا غارق في الديون منذ أشهر. تداولات إلكترونية، استثمارات خاطئة، مصاريف كبيرة، ومظاهر كاذبة. قال لهم في البيت إن جده سينقل الأملاك باسمه. وقال أيضًا إنني بدأت أضعف ذهنيًا، وسأذهب قريبًا للعيش معهم.
قالت زينب
صدقته لأنه ابنك.
قلت بتعب
وأنا صدقته للسبب نفسه.
استمرت القضية. حصل علي على كفالة، لكنه لم يكن مسموحًا له بالاقتراب من بيتي. ولا الاتصال بي. في الأسبوع الأول شعرت بالراحة. في الأسبوع الثاني شعرت بالفراغ. في الأسبوع الثالث بدأ الذنب يأكلني.
هل كنت قاسيًا أكثر من اللازم؟
داخل كل أب محكمة صغيرة، يبقى فيها الابن نصف بريء مهما فعل.
ثم في مساء أحد الأيام، اتصل بي المحامي وطلب أن أزوره.
قال
أستاذ جاسم، هناك أمر يجب أن تعرفه. يجب أن تكون قويًا.
كنت متعبًا، لكنني جلست.
وضع أمامي مجموعة
ابنك لم ينجز الأوراق وحده. ختم كاتب العدل حقيقي. والشهود حقيقيون أيضًا. وهناك اسم بين الشهود سيصدمك.
أخذت الورقة.
الشاهد الثاني.
أم محمود.
توقفت يدي.
قلت
أم محمود؟
هز المحامي رأسه وقال
توقيعها موجود.
دارت الدنيا بي من جديد.
المرأة التي اتصلت بالشرطة، والتي أرسلت الطعام، والتي كانت تقول لي إن ابني ذهب... كانت شاهدة؟
عدت إلى البيت، فوجدت أم محمود تقف عند الباب وفي
يدها صحن صغير.
قالت
عملت لك حلاوة. أمينة كانت تحبها.
لم آخذ الصحن.
سألتها
أنت وقّعتِ؟
تغير لون وجهها.
قالت
على ماذا؟
قلت
الوكالة العامة. الشاهد الثاني.
امتلأت عيناها بالدموع وقالت
أبو علي، أنا لم أقرأ. علي قال إنها أوراق علاج. قال إنك بدأت تنسى. خفت عليك. قال إذا لم أساعده قد تضيع عليك المعاملة والعلاج.
قلت
ولم تسأليني أنا؟
سكتت.
أغلقت الباب.
في تلك الليلة فهمت أن الخيانة لا تأتي دائمًا من عدو. أحيانًا تأتي وهي ترتدي ثوب القلق، وتقف على الباب وبيدها صحن حلوى.
بعد أشهر وصلت القضية إلى المحكمة. حاول علي تخفيف ما فعل. قال إنه كان تحت ضغط نفسي. قال إن الدواء كان مجرد مهدئ. قال إنني كنت متوهمًا. لكن الكاميرا، والتقرير، والطبيب المزيف، والأوراق... كلها أمسكت الحقيقة من رقبتها.
استغرق الحكم وقتًا.
لم أعد مستعجلًا.
ركبت قفلًا جديدًا على باب البيت. وزرعت إلى جانب ورود أمينة شتلة ريحان. عاد سعدي أخيرًا إلى البصرة، لكنه صار يتصل بي كل أربعاء. كان يسألني
من عندك
فنضحك نحن الاثنين، رغم أن الضحك كان مليئًا بالشقوق.
غيرت وصيتي.
لن يذهب هذا البيت إلى يد طامعة. كتبت أن يتحول البيت بعد رحيلي إلى مأوى صغير لكبار السن الذين يظن أولادهم أنهم وحدهم. وسميته دار أمينة.
كانت زينب وحسن يزورانني أحيانًا. لم أغلق الباب في وجهيهما. وعندما كان حسن يدخل الحديقة ويقطف وردة، لم أكن
أوبخه. لو كانت أمينة موجودة لقالت عندما يقطف الأطفال الورد، يبقى البيت شابًا.
أرسل علي رسالة من التوقيف.
لم أفتحها لعدة أيام.
ثم جلست أمام صورة أمينة وقرأتها.
أبي، سامحني. لم أكن أريد أن أخسرك. كنت أريد فقط أن أصلح كل شيء.
طويت الرسالة.
المسامحة قد
تُمنح أحيانًا. أما الثقة، فيجب أن تُكسب من جديد.
كتبت له جوابًا قصيرًا
أنا ما زلت حيًا. وهذا يكفي الآن.
في صباح الأحد التالي، لم يرن الهاتف في السابعة.
حضرت الشاي. أخذت الدواء. وسقيت الحديقة. عندما ابتلت الأزهار، خرجت من التراب نفس الرائحة التي كانت
تفوح من ملابس أمينة.
وفجأة سُمعت طرقة على الباب.
كانت أم محمود واقفة، وعيناها في الأرض.
قالت
أبو علي، أنا لم أتصل بالشرطة لأنني أردت مساعدتك
فقط.
بقيت صامتًا.
مدّت يدها المرتجفة بظرف قديم.
قالت
أمينة أعطتني هذا قبل رحيلها بستة أشهر. قالت لي عندما يصبح
جاسم وحيدًا فعلًا، أعطيه إياه.
فتحت الظرف.
كانت بداخله ورقة بخط أمينة.
لا تثق بعلي وأنت مغمض العينين.
وفي الأسفل كانت الجملة الأخيرة
هو ليس ابني يا جاسم.
وفي ذلك اليوم عرفت