ياسين كامله

لمحة نيوز

ياسين
كنت دايمًا شايف إن ياسين ابني طالع لعمامه، بارد، طموحه محدود، وآخره هواية مالهاش لازمة في ورشة النجارة اللي سابها له جده. أنا كنت المهندس فؤاد، اللي بنى بدل الشركة تلاتة، واللي قرر من سنين إن الحياة دي مش شبهه، وسيبتله البيت والورشة وأمه، وروحت أبني مملكتي مع نيرة.. الست اللي بتعرف تلبس براندات، وتتكلم لغات، وتعرف يعني إيه بيزنس.
مرت 10 سنين، كنت فيهم زي القطر، ماببصش ورايا. ابني كان بالنسبة لي مجرد رقم ببعتهوله في البنك كل شهر، وكنت بقول لنفسي أنا كدة عملت اللي عليا وزيادة، بكره لما يكبر هيعرف قيمة الفلوس.
في يوم، نيرة صممت إننا نغير عفش المكتب كله، وقالت لي بزهو
يا فؤاد، فيه جاليري جديد فاتح في الزمالك، بيعمل قطع أثاث Handmade تحفة، القطعة الواحدة فيه لوحة فنية، والناس ال Class

كلهم بقوا يجهزوا من عنده.
دخلنا الجاليري.. المكان كان ريحته بخور مختلط بريحة خشب أرو غالية. نيرة كانت بتتحرك وسط القطع كأنها في متحف، وأنا كنت ماشي وراها بنفخ دخان سيجاري، وببص للسعر اللي على التربيزة اللي قدامي.. الرقم كان يخض، بس ابتسمت بغرور، أنا أقدر أشتري الجاليري كله.
نيرة شاورت لمن من بعيد بصوت عالي
يا كابتن! لو سمحت.. التربيزة دي فيها خدش بسيط في الزاوية، إزاي بياع شاطر يسيب حاجة كدة؟ تعالي شوفلي حل، أنا مش هدفع الآلاف دي في حاجة ناقصة.
من ورا بارتشن خشبي كبير، خرج شاب.. لابس مريلة جلد تقيلة، إيده متغطية بنشارة الخشب، ووشه فيه عفارة الشغل.
ياسين!
الزمن
وقف بيا.. السيجارة وقعت من إيدي على السجادة الحرير ومحستش. ابني اللي سيبته طفل، واقف قدامي راجل، كتافه عريضة من شيل الخشب، وعينيه
فيها نظرة هدوء غريبة.. نفس الهدوء اللي كنت بهرب منه زمان وبسميه فشل.
ياسين بص لي، ثانية واحدة بس، لا سلم ولا اتفاجئ، كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية. بص لنيرة وبنبرة صوت ثابتة ورخيمة قال
ده مش خدش يا فندم، دي ثمرة الخشب الطبيعي، هي دي اللي بتدي للقطعة روح. بس لو مش عاجباكي، نقدر نغيرها.
نيرة بصت له بقرف، وطلعت منديل مبلل ومسحت طرف التربيزة وقالت بسخرية
روح إيه وبتاع إيه! إنتوا شكلكم بتغشوا الخشب وبتسموه روح عشان تغلوا السعر.. وبعدين إيه الريحة دي؟ إنت غرقان في ريحة الغراء والتراب.. يا فؤاد، شايف الأشكال اللي بتتعامل معاها؟
ياسين ماردش عليها، فضل باصص لي أنا. شفت في إيده جرح قديم باين إنه من أثر منشار، وضوافره اللي دخل فيها سواد الصبغة ومابتطلعش.. إيد شقيانة عشان يبني اسم لنفسه بعيد عن
شيكات والده.
نيرة كملت وهي بتمسك ذراعي بغنج مستفز
بقولك إيه يا شاطر، نضف إيدك دي كويس قبل ما تلمس العفش بتاعنا، مش ناقصين بكتيريا وقرف.. إحنا هندفع مبلغ وقدره، يعني عايزة خدمة VIP مش صبي نجار يكلمني عن الروح!
ياسين ابتسم ابتسامة وجعتني أكتر من أي شتيمة، وطلع كارت من جيب مريلته وحطه على التربيزة قدامها.. أو بالأصح قدامي أنا.. وقال بهدوء قاتل
الجاليري ده ملكي يا فندم، وأنا اللي صانع القطع دي بإيدي.. والريحة اللي مش عاجبة حضرتك دي ريحة تعب
، أغلى بكتير من ريحة البرفان اللي إنتي لابساه.
وبعدين بص لي وقال بكلمة واحدة هزت كياني
منور يا هندسة.. الحساب واصل، اعتبري التربيزة دي هدية من المحل،
ياسين سابنا ودخل ورشته تاني، وصوت المنشار اشتغل.. صوت كان بيقطع في قلبي أنا، وأنا واقف وسط العفش الغالي،
حاسس إني أصغر بكتير من
تم نسخ الرابط